سلامة الدرعاوي : مسلسل الإشاعات
قضية الإشاعات التي تضرب المنجزات الاقتصادية أصبحت نمطاً متكرراً يرافق تقريبا كل مشروع اقتصادي أو فكرة إصلاحية تظهر إلى العلن، وما إن يُطرح مشروع أو يُعلن عن توجه اقتصادي جديد، حتى تبدأ موجة تشكيك، ثم تتسع دائرة التداول، ويتحول الكلام غير الموثق إلى "حقيقة" يتناقلها الناس بثقة لافتة، وكأن الأصل هو الشك لا التحقق.
وهذه الظاهرة لا تقتصر على مشروع بعينه، لكن تطال الفكرة الاقتصادية بحد ذاتها، بغض النظر عن مضمونها أو جدواها أو الجهة التي تقف خلفها، وهو ما يعكس خللاً عميقاً في التعامل مع الإنجاز الاقتصادي كقيمة وطنية يجب حمايتها لا تقويضها.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك ما رافق مشروع مدينة عمرة من إشاعات واسعة، وصلت إلى حد التشكيك بطبيعة الملكيات وأهداف المشروع، رغم وضوح الحقائق منذ اليوم الأول، فمدينة عمرة، كما أعلنت الحكومة بشكل صريح، أُقيمت على أراضي الخزينة، ولا توجد فيها أي ملكيات خاصة، كما أن جميع الأراضي داخل حدود المشروع هي أراضٍ تابعة للخزينة العامة.
ومع ذلك، جرى تداول روايات مغايرة، دون مستند أو دليل، وتم التعامل معها وكأنها حقائق، في نموذج واضح لكيفية ضرب مشروع اقتصادي واعد عبر الإشاعة لا عبر النقد الموضوعي.
المشكلة هنا لا تكمن فقط في وجود الإشاعات، فهذا أمر معروف في كل الاقتصادات، لكن في سرعة انتشارها، وفي قابلية المجتمع لتصديقها، وفي خطورة الجهات التي تساهم أحياناً في تضخيمها، فعندما تُستهدف مشاريع تنموية أو مبادرات اقتصادية بإشاعات منظمة أو عشوائية، فإن الضرر لا يقع على المشروع فقط، لكن على الثقة العامة، وعلى صورة الدولة، وعلى مناخ الاستثمار ككل.
والأخطر أن بعض هذه الإشاعات تطال مؤسسات يُفترض أنها فوق الشبهات، وأن سجلها المهني والرقابي كاف لإسكات أي تشكيك.
ولا يقتصر الأمر على المشاريع الجديدة، لكن يمتد إلى مؤسسات قائمة وناجحة تعمل ضمن مسارات إصلاحية واضحة، إن ضريبة الدخل مثال صارخ على ذلك، إذ شهدت خلال السنوات الماضية مساراً إصلاحياً واضحاً، شمل تحديث الإجراءات، وتعزيز العدالة الضريبية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة التحصيل. ورغم ذلك، لم تسلم من محاولات إخراجها عن سياقها الإصلاحي عبر إشاعات وتشكيك بدوافعها وأدائها، وكأن أي مؤسسة تعمل بجدية وتحقق نتائج تصبح هدفاً سهلاً للتشويه.
اللافت أن بعض هذه الإشاعات يتم تداولها من أشخاص يُفترض أنهم أكثر إدراكاً وخبرة، سواء كانوا في مواقع مسؤولية حالية أو سابقة، أو حتى من نواب يفترض أن دورهم الرقابة والتشريع لا بث الشك.
وعندما يتم الحديث عن قطاعات حساسة دون أدلة واضحة، أو التلميح بفساد أو سوء إدارة دون مستندات، فإن ذلك لا يخدم المصلحة العامة، بل يفتح الباب للفوضى الإعلامية ويضرب سمعة قطاعات كاملة.
واحدة من أخطر الإشكاليات في هذا السياق هي الإشاعات التي تطال مؤسسات سيادية اقتصادية، وعلى رأسها البنك المركزي، باعتباره صمام أمان للاستقرار النقدي والمالي، لذلك فإن الصمت أمام الإساءة لمثل هذه المؤسسات لا يمكن تبريره بالحكمة أو التجاهل، وجزء من المشكلة يعود إلى تأخر التوضيح الرسمي، حيث يُترك فراغ زمني يسمح للإشاعة بالانتشار، ثم يُفاجأ الجميع بحجم التصديق الشعبي لها.
المطلوب توضيح فوري وقاطع، يضع الحقائق أمام الناس دون مواربة، وفي بعض الحالات لا يكفي التوضيح، لكن يجب اللجوء إلى الإجراءات القانونية بحق من يسيء عمداً للإنتاج الوطني أو يشوه سمعة مؤسسات اقتصادية محورية.
ــ الغد