د. سلطان المعاني : التلاعب بالكلام وأضداد الدلالات
يبدأ الاستعمار من القاموس قبل أن يطأ إلى الأرض. ويعبر من حنجرة المترجم
قبل أن يعبر من فوهة المدفع. ويؤسس سلطته حين ينجح في إعادة تسمية الأشياء:
فيصير الاحتلال إدارة، وتصير المصادرة تنظيماً، وتصير الحواجز ترتيبات
أمنية، وتصير مراقبة الوعي توعية، وتصير سرقة الوقت تحديثاً. تتبدل
الألفاظ، وتظل اليد هي اليد: يدٌ تضعف قدرة المجتمع على تسمية وجعه باسمه،
ثم تفرض عليه أسماءً مستعارة حتى يعتاد القبول بوصفٍ يحجب الجرح.
يصنع
التلاعب بالكلام حرباً ناعمة على الإدراك. ويُنتج ما يشبه نظاماً للتسميات
يوزّع الأدوار: يُجمّل فعل الغلبة عند المركز، ويُحمّل الطرف المقهور وزر
ما جرى له، ثم يطالب الضحية بتقديم الشكر «للحماية» و»للإصلاح». تتكرر
الحيلة في كل زمن: تُزرع مفرداتٌ في المناهج، وتُصاغ شعاراتٌ في الإعلام،
وتُخلط حدود الخير والشر في المخيال العام حتى يغدو الفارق بين الفعل
ونقيضه مجرد اختلاف في اليافطة.
يتقن المستعمِر لعبة الأضداد. ويقدّم
التمدين بوصفه تمزيقاً لنسيج الناس. ويقدّم التحرير بوصفه إعادة توزيعٍ
للقيود. ويقدّم الشراكة بوصفها تفويضاً بالتصرف في المصير. ويقدّم المساعدة
بوصفها إبقاء اليد في الجيب الوطني. ويقدّم السلام بوصفه صمتاً مفروضاً
على صوت العدالة. تتكاثر هذه الأضداد حتى تتسرب إلى اللسان اليومي، فيتوارى
السؤال الحاسم: من يملك حق التسمية؟ ومن يملك حق تفسير الحدث؟ ومن يرسم
صورة الضحية والجلاد في الوعي؟
يبني خطاب الهيمنة فكرته عبر خطوتين
متتاليتين: يُسقط قيمة المكان وأهله أولاً، ثم يستدعي قاموساً كاملاً يبرر
السيطرة ثانياً. ويُستهل الإسقاط غالباً بتجريد الناس من إنسانيتهم
الرمزية: يُختزل المجتمع في قابلية للتطرف، ويُختزل التاريخ في نزاعات
قديمة، ويُختزل الحضور في فراغ يحتاج إدارة. عند تلك النقطة يصير كل شيء
قابلاً للبيع: الأرض، الذاكرة، اللغة، وحتى الألم. ويغدو الكلام سلاحاً
أعلى فتكاً من الحديد حين يقتحم العقل من باب العقلانية والواقعية
والضرورة.
يُعاد الاستعمار اليوم بأدوات جديدة، وتبقى الروح واحدة.
ويُستعمل «اقتصاد الانتباه» لصرف العين عن جوهر القصة، وتُدار المعارك على
مستوى الصورة المختصرة، وتُقاس الحقائق بعدد المشاركات، ثم تُسحب المظالم
من سياقها وتُعاد صياغتها في قالب جدل يساوي بين الضحية والجلاد تحت عنوان
وجهات نظر. ويُستثمر التعب النفسي للجمهور حتى يقبل أي سردية تمنحه راحة
سريعة ولو على حساب الحقيقة. ويصير التضليل صناعة لها محترفوها: خبراء في
العناوين، مهندسو هاشتاغ، وصناع رأي عام يبيعون الإحساس بدل الوقائع.
تُستدعى
مفردات حقوق الإنسان أحياناً لتعمل ضد الإنسان ذاته. ويُرفع شعار حرية
التعبير كي تُحاصر أصوات بعينها. وتُستعمل لغة «حماية الأقليات» كي تُفتت
المجتمعات إلى جزر متناحرة. وتُستعمل عبارة «مكافحة خطاب الكراهية» كي
يُجرَّم وصف الظلم بوضوح. ويظهر شكلٌ جديد من الاحتلال: احتلال الدلالة؛
حيث تُصادر الكلمات كما تُصادر الأرض، وتُحاصر المصطلحات كما تُحاصر المدن،
وتُخنق شهادات الناس بذريعة «الحياد» و»التوازن» و»المهنية».
يستحق هذا
كله وقفة معرفية صارمة. ويستحق أن نتعامل مع اللغة باعتبارها ساحة سيادة.
ويستحق أن نعترف بأن أخطر ما في الاستعمار قدرته على جعل الضحية تتبنى
قاموس الجلاد. فحين ينجح في ذلك، ينتقل من السيطرة على الجغرافيا إلى
السيطرة على المخيال. وحين يترسخ هذا الانتقال، تُستهلك الطاقة في جدالات
جانبية، وتضيع البوصلة التي تميّز بين الحق والادعاء، وبين الدفاع عن
الكرامة وتبرير القهر.
يقع الامتحان الحقيقي حين يعودون بفعلتهم في ثوبٍ
جديد: ثوب التنمية، أو الإصلاح، أو «إعادة البناء»، أو «إدارة الأزمات»،
أو «التحول الديمقراطي». ويُطلب من المجتمعات أن تتنازل عن شروطها
الأخلاقية مقابل وعودٍ مؤجلة، وأن تبتلع نقيض تجربتها بحجة «المصلحة». هنا
ينهض سؤال الإيمان العملي بالخبرة: «ولا يُلدغ مؤمنٌ من جُحرٍ مرّتَين».
وتشتغل الحكمة هنا بوصفها ذاكرة يقظة: ذاكرة تُحسن قراءة العبارات حين
تُعرض بلمعان، وتستدل على اليد من أثرها، وعلى الهدف من مسار تبريره.
يبدأ
التحرر من إعادة الاعتبار للفروق الدقيقة في الكلام. ويحتاج إلى تدريبٍ
اجتماعي على كشف التمويه: حين تُقال «مساعدة» يُسأل: مقابل ماذا؟ حين تُقال
«شراكة» يُسأل: من يملك القرار؟ حين تُقال «سلام» يُسأل: أين العدالة؟ حين
تُقال «إصلاح» يُسأل: من يحدد عطب المجتمع؟ حين تُقال «تحديث» يُسأل:
تحديث لمنفعة من؟ وحين تُقال «واقعية» يُسأل: أي واقع يُراد تثبيته؟ هذه
الأسئلة تُفكك الخطاب، وتُعيد بناء المناعة.
ينمو الأمل حين تُبنى سردية
مضادة بوسائل رصينة: تعليم نقدي يفضح صناعة الصور، إعلام يشتغل على التحقق
لا الإثارة، مؤسسات ثقافية تحمي الذاكرة الحية، وبحث علمي يعيد ترتيب
المصطلحات وفق سياقاتها بدل استعارتها من مكاتب بعيدة. ويثمر ذلك حين يتعلم
الناس أن يقرأوا العبارات قراءةً طبقية وسياسية وتاريخية: أن يروا كيف
تعمل الكلمات حين تُقال، ومن يستفيد من انتشارها، ومن يدفع ثمنها.