م. هاشم نايل المجالي : التشويش العقلي واضطراب التفكير السائد
التشويش العقلي هو شعور عام بعدم صفاء الذهن وصعوبة التفكير بوضوح،
وبالتالي صعوبة التركيز، والارتباك، وبطء في التفكير، والشعور بالتعب
الذهني، وكأن عقلك مغطى بالضباب، مما يجعل المهام اليومية صعبة، ويبدو عليه
الإجهاد والتعب.
أما اضطراب التفكير فهو حالة نفسية تؤثر على الشخص
وعلى تدفق أفكاره، حيث القفز بالمواضيع دون أية ترابط بينها، وخلط الكلمات،
وصعوبة الوصول إلى صلب الموضوع.
هذه الحالات أصبحنا نشاهدها على كثير
من الشخصيات السياسية والاجتماعية وغيرها، وعلى شبابنا بشكل خاص، المتابعين
لأحداث العالم وما يجري في كل دولة، ومن تصريحات عالمية وتناقضات في
المواقف وتحالفات مزعومة، توتر الفكر وتوتر الأعصاب يسببان حالة من الإجهاد
الفكري الصباحي والمسائي، ويسببان اضطرابًا في النوم.
حيث نلاحظ أنه قد
أصبح هناك غياب للرؤية الواضحة من حياة المواطنين، خاصة الشباب منهم،
بالإضافة إلى عدم امتلاك منهجية محددة للحياة وسط هذا الازدحام الفكري، حيث
تصبح الأهداف التي يسعى وراءها شبابنا غير محددة المعالم، حيث نجد أن
شخصًا ما خلال فترة زمنية قصيرة قد غيّر قناعته وفهمه لكثير من المسائل، من
أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالعكس، في مختلف المسائل والقضايا
السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطروحة للنقاش.
فهناك قد أصبحت
مزاجية وعاطفية واضحة في تناول المشاكل المطروحة محليًا وعالميًا، إنها
تعبر عن حجم الفوضى التي أصبحت في حياتنا، فحدّث ولا حرج، حتى في العمل،
والنوم، وفي العلاقات الأسرية والاجتماعية، وفي النظام الاقتصادي والسياسي.
وهذا
الوضع لا يحتاج إلى برهان، لنلاحظ العصبية المفرطة والزائدة في أي حوار
فيه تناقضات ومواقف لأفكار مختلفة، نجد لا أحد يتحمل الثاني، وكل واحد يريد
أن يفرض رأيه ولو بالقوة، حيث الأدلة والبراهين المختلفة.
إن من أهم
أسباب ذلك التشويش العقلي، إذا صح التعبير، الذي يتجلى في اضطراب التفكير
وعدم وضوح الرؤية، حيث ينعكس ذلك على السلوك الفردي والاجتماعي، وبروز حالة
الأنانية والفردية والتسلط، ويؤدي ذلك إلى الفشل في العمل، لصعوبة
التركيز، والتشتت الذهني، وفقدان روح الجماعة والفريق الواحد.
إن تنظيم
الحياة، وترشيد الوقت، والعمل الجماعي، والتركيز، والشعور بالمسؤولية تجاه
الواجبات، واحترام القانون، كلها من أهم أسباب تقدم المجتمعات، ولا بد وأن
تكون الأهداف واضحة أمامنا حتى لا نفقد بوصلة التوجيه، إن حياة بلا هدف
ليست إلا محض عبث، وأي نشاط غير منظم لا ولن يثمر عن شيء مجدٍ، إن صعوبات
الحياة، وعوامل الفقر والتخلف، وزيادة معدلات البطالة وغيرها، أصبحت تنخر
في مجتمعاتنا.
حيث تحاصر الإرادة الفردية، وتجعل تنظيم الواقع الاجتماعي
شديد الصعوبة، لذلك نحن لا نحتاج فقط إلى التغيير والإصلاح السياسي
والبيئي والمروري، بل كذلك إلى إصلاحات موازية في كافة الجوانب التربوية
والدينية والمعرفية.