م. سعيد بهاء المصري يكتب : النمو الاقتصادي المزدوج في عصر الذكاء الاصطناعي بين إنتاج القيمة وحماية الاستقرار
تمهيد: لماذا نحتاج نموذجًا اقتصاديًا جديدًا؟
يشهد الاقتصاد العالمي
تحولًا بنيويًا عميقًا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والرقمنة
الشاملة، وهو تحول لا يقتصر على تحسين أدوات الإنتاج أو تسريع العمليات، بل
يمس جوهر العلاقة بين النمو الاقتصادي، وسوق العمل، وتوزيع الدخل، ودور
الدولة في تحقيق الاستقرار. فقد أصبح واضحًا أن النماذج الاقتصادية التي
حكمت القرن العشرين، والقائمة على افتراض التلازم بين النمو وخلق فرص
العمل، لم تعد قادرة على تفسير الواقع الاقتصادي الجديد أو إدارته بفعالية.
لقد
بات الاقتصاد قادرًا على تحقيق معدلات نمو ملموسة من خلال رفع الإنتاجية
والكفاءة دون توسع موازٍ في التشغيل، ما أدى إلى انفصال متزايد بين النمو
والتوظيف. هذا التحول لا يُعد أزمة دورية عابرة، بل يمثل تغيرًا هيكليًا
دائمًا في نمط الإنتاج، يفرض على الدول، لا سيما النامية والهشة، إعادة
التفكير في مفهوم النمو ذاته، وفي الأدوات التي تعتمدها لتحقيق الاستقرار
الاقتصادي والاجتماعي.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن
اقتصاد المستقبل لا يمكن أن يُدار بمحرك واحد، بل يحتاج إلى نموذج نمو
مزدوج يقوم على مسارين متكاملين: مسار توليد القيمة العالية عبر
التكنولوجيا والابتكار، ومسار حماية الاستقرار المعيشي والاجتماعي عبر
القطاعات الأساسية وشبكات الأمان. إن إهمال أحد هذين المسارين أو الفصل
بينهما يفضي إما إلى نمو رقمي هش بلا مضمون اجتماعي، أو إلى استقرار غير
قابل للتمويل والاستدامة.
أولًا: حدود النموذج الاقتصادي في عصر الذكاء الاصطناعي
أول
حدود هذا النموذج يتمثل في انفصال النمو عن التوظيف. فقد أصبح الاقتصاد
قادرًا على رفع الناتج المحلي من خلال الأتمتة والذكاء الاصطناعي دون
الحاجة إلى زيادة عدد العاملين، ما أنهى العلاقة التاريخية التي ربطت بين
النمو وامتصاص البطالة. وبذلك لم يعد خلق الوظائف نتيجة تلقائية للنمو
الاقتصادي.
ثانيًا، نشهد تشكل بطالة بنيوية دائمة. البطالة لم تعد حالة
انتقالية ناتجة عن ركود أو سوء إدارة، بل أصبحت نتيجة هيكلية لنمط إنتاج
يستبدل العمل البشري بالخوارزميات والأنظمة الذكية. تظهر هنا فئة متنامية
من القادرين على العمل الذين لا يجدون وظائف لأن هذه الوظائف لم تعد تُخلق
أصلًا.
ثالثًا، يتفاقم الخلل بفعل الفائض الديمغرافي مقابل وظائف أقل.
فالديمغرافيا، خصوصًا في الدول النامية، تستمر في ضخ أعداد متزايدة من
الشباب إلى سوق العمل، في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على توليد فرص
جديدة، ما يوسع فجوة الإقصاء الاقتصادي.
رابعًا، نشهد تآكل العقد
الاجتماعي القائم على الوظيفة. النموذج الذي ربط العمل بالدخل، والدخل
بالضمان الاجتماعي، والوظيفة بالكرامة والاندماج المجتمعي، بات عاجزًا عن
الاستمرار في ظل تقلص دور الوظيفة كمصدر رئيسي للعيش والهوية.
خامسًا،
تتسع فجوة المهارات داخل المجتمعات. فالطلب يتركز في عدد محدود من المهارات
العالية والمتقدمة، بينما تتآكل الوظائف المتوسطة والمنخفضة، ما يولد
اختلالًا هيكليًا يصعب معالجته عبر التعليم التقليدي أو التدريب قصير
الأجل.
سادسًا، تتعمق الفجوة التعليمية بين الدول. فأنظمة التعليم في
الدول النامية أبطأ من التحول التقني، وأقل قدرة على التكيف مع متطلبات
الاقتصاد الرقمي، ما يجعل هذه الدول أكثر عرضة للآثار القاسية للذكاء
الاصطناعي والأتمتة.
سابعًا، يزداد تركز الدخل والثروة. فالقيمة
الاقتصادية تتكدس لدى مالكي البيانات، والمنصات الرقمية، ورأس المال غير
المادي، مقابل تراجع حصة الأجور من الناتج المحلي، ما يهدد العدالة
الاجتماعية واستدامة الطلب.
ثامنًا، تعاني الاقتصادات التقليدية من ضعف
المرونة والتنافسية. فالصناعات التقليدية في الدول النامية مرتفعة الكلفة،
محدودة الإنتاجية، وضعيفة القدرة على المنافسة ضمن سلاسل القيمة العالمية
المتقدمة.
تاسعًا، يؤدي تراجع التوظيف إلى تآكل القاعدة الضريبية
المرتبطة بالأجور. ومع تقلص الوظائف الرسمية، تتراجع مساهمات الضرائب
والضمان الاجتماعي، ما يضغط على المالية العامة.
عاشرًا، يتوسع الاقتصاد غير الرسمي كملاذ لفائض العمالة، ما يضعف الحماية الاجتماعية والجباية ويزيد الهشاشة الاقتصادية.
حادي
عشر، تواجه الدولة ضغطًا ماليًا متزايدًا نتيجة توسع كلف الدعم،
والإعانات، والخدمات الصحية، وبرامج التدريب، في ظل موارد محدودة.
ثاني عشر، تزداد مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، حيث يولد الإقصاء الاقتصادي المزمن شعورًا دائمًا بالتهميش وفقدان الجدوى.
ثالث عشر، يظهر اختلال المنافسة داخل الاقتصاد الواحد بين شركات رقمية قليلة عالية الربحية وقطاع تقليدي واسع متراجع.
رابع عشر، ترتفع حساسية الاقتصاد للصدمات، سواء كانت تقنية، أو مالية، أو جيوسياسية، ما يجعل الأزمات أشد أثرًا وأسرع انتقالًا.
خامس
عشر، تتجلى حدود أدوات التحفيز التقليدية، إذ لم تعد السياسات النقدية
والمالية الكلاسيكية قادرة على خلق وظائف في اقتصاد تقوده الأتمتة.
ثانيًا: مفهوم النمو المزدوج – الإطار التحليلي
يقوم
نموذج النمو المزدوج على الاعتراف بأن اقتصاد المستقبل لا يمكن أن يُدار
بمحرك واحد للنمو، بل يحتاج إلى مسارين متكاملين يعملان في آن واحد. المسار
الأول يركز على توليد القيمة العالية عبر التكنولوجيا والابتكار، فيما
يركز المسار الثاني على حماية الاستقرار المعيشي والاجتماعي وامتصاص
الصدمات.
هذا النموذج لا يفصل بين الكفاءة والعدالة، ولا بين الإنتاجية
والاستقرار، بل يعيد تنظيم العلاقة بينهما. فمحركات القيمة العالية ضرورية
لتمويل الدولة وتعزيز التنافسية، لكنها غير كافية وحدها لبناء مجتمع مستقر.
وفي المقابل، فإن محركات الاستقرار المعيشي تحمي المجتمع وتثبت الطلب،
لكنها تحتاج إلى مصادر تمويل مستدامة تأتي من محركات القيمة.
ثالثًا: المحرك الأول – محركات توليد القيمة العالية
تشمل
محركات توليد القيمة العالية الذكاء الاصطناعي، واقتصاد البيانات،
والمنصات الرقمية، ورأس المال غير المادي، والتخصص في الحلقات عالية القيمة
من سلاسل الإنتاج العالمية. وتمتاز هذه المحركات بقدرتها الكبيرة على رفع
الإنتاجية، وخفض الكلفة الحدّية، وتسريع الابتكار، وتعزيز القدرة التنافسية
للاقتصاد.
غير أن هذه المحركات، رغم دورها الحاسم في توليد الثروة،
تتسم بانخفاض كثافتها التشغيلية، وبميلها إلى تركيز الدخل والثروة. فهي لا
تخلق وظائف كافية لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ولا تضمن توزيعًا
عادلًا للعوائد. ولذلك، فإن ترك هذه المحركات تعمل دون إعادة توجيه
سياساتي لعوائدها قد يؤدي إلى اختناق الطلب وتآكل الاستقرار الاجتماعي، بما
يهدد النمو نفسه على المدى المتوسط.
رابعًا: المحرك الثاني – محركات الاستقرار المعيشي وامتصاص العمالة
يشمل
هذا المحرك القطاعات المرتبطة بالحاجات غير القابلة للاستغناء، مثل الغذاء
والزراعة، والدواء والرعاية الصحية، والماء والطاقة، والسكن والبنية
التحتية المعيشية، والخدمات البلدية واللوجستية، والتعليم وإعادة التأهيل
المستمر.
تمتاز هذه القطاعات بطلب دائم وغير مرن، وبقابلية أقل للأتمتة
الكاملة، وبقدرة أعلى نسبيًا على استيعاب العمالة المحلية وخلق أعمال
انتقالية ومرنة. وهي تلعب دورًا محوريًا في تثبيت الطلب الداخلي، خصوصًا في
ظل توسع الدخل المدعوم وشبكات الأمان الاجتماعي، ما يمنع الانكماش
الاقتصادي ويحافظ على دوران العجلة الاقتصادية.
كما أن هذه القطاعات
تحمل بعدًا سياديًا واضحًا، إذ تمثل أساس الأمن الغذائي، والدوائي،
والطاقي، والمائي، ما يجعل الاستثمار فيها استثمارًا في الاستقرار الوطني
طويل الأجل، لا مجرد خيار اقتصادي.
خامسًا: الاقتصاد الثقافي والفني والإعلامي: رافعة الاستقرار والهوية والوحدة الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي
في
سياق التحولات البنيوية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وسوق
العمل، يبرز القطاع الثقافي والفني والإعلامي بوصفه أحد المكونات الجوهرية
لمنظومة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لا باعتباره قطاعًا ترفيهيًا أو
هامشيًا، بل كرافعة قادرة على حماية التماسك المجتمعي وإعادة إنتاج المعنى
والهوية في مرحلة تتآكل فيها الروابط التقليدية بين العمل والدخل
والانتماء.
تشترك الثقافة والفنون والإعلام في كونها أنشطة منخفضة
القابلية للأتمتة الكاملة، تعتمد على الإبداع الإنساني، والسرد، والتفاعل
المجتمعي، ما يمنحها قدرة نسبية على امتصاص جزء من العمالة الراكدة، ولا
سيما بين الشباب وأصحاب المهارات الإبداعية والتواصلية. كما تتيح هذه
القطاعات أنماط عمل مرنة وجزئية تتكامل بطبيعتها مع توسع شبكات الأمان
الاجتماعي.
اقتصاديًا، يشكل هذا القطاع المركب جزءًا من الاقتصاد المحلي
ذي الأثر المضاعف، ويرتبط بصناعات المحتوى، والسياحة الثقافية، والإعلام
الرقمي، والخدمات الإبداعية، ما يجعله محركًا فعليًا للدوران الاقتصادي
الداخلي. أما الإعلام، بوصفه قطاعًا اقتصاديًا بحد ذاته، فيؤدي دور الوسيط
بين الإنتاج الثقافي والمجتمع، ويسهم في تحويل الثقافة من نشاط رمزي إلى
قيمة اقتصادية قابلة للتدوير.
أما على المستوى الاجتماعي والسيادي،
فيتجاوز دور الثقافة والفنون والإعلام البعد الاقتصادي ليشكل أداة مركزية
في بناء الهوية الوطنية الجامعة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وصياغة السرديات
العامة، وحماية المجال العام من التفكك، والتضليل، والاستقطاب، وهي مخاطر
تتفاقم في عصر المنصات الرقمية العابرة للحدود.
سادسًا: شبكات الأمان الاجتماعي ودور الدولة
في
ظل البطالة البنيوية وتراجع دور الوظيفة، يتعاظم دور الدولة في بناء شبكات
أمان اجتماعي بوصفها وسادة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، وأداة لتثبيت
الطلب، وليس مجرد سياسة اجتماعية إحسانية. ويقتضي نموذج النمو المزدوج
إعادة توجيه جزء من عوائد محركات توليد القيمة العالية لتمويل هذه الشبكات،
ودعم محركات الاستقرار المعيشي، بما يحافظ على التوازن بين الإنتاجية
والاستقرار، ويعيد تعريف العدالة الاجتماعية في عصر الذكاء الاصطناعي.