الأخبار

بشار جرار : «ماغا رالي» «ميغا» مالي!

بشار جرار : «ماغا رالي» «ميغا» مالي!
أخبارنا :  

ترليون مبروك لكل فرصة عمل تفتح دارا وتعمر ديرة، ثمرة تلك الصفقات أو بالأحرى الشراكات التي تم إبرامها في جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الخليجية.
كما في ولايته الأولى، كانت البداية من المملكة العربية السعودية وبينها وبين إتمام رؤية 2030 أقل من خمس سنوات تكبر ما تبقّى لترمب في البيت الأبيض بنحو عامين. لكن الجولة الشرق أوسطية هذه المرة لم تشمل إسرائيل لأهداف تتضح في غضون بضع أسابيع على الأرجح. ولم تشمل أيضا أي دولة وازنة أخرى في الإقليم الذي يزداد أهمية استراتيجية، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، كمصر والأردن..
اقتصرت الجولة التي خطفت الأبصار إعلاميا على السعودية استهلالا والإمارات ختاما، مرورا بقطر. وكادت جولة ترمب أن تشمل تركيا، لو توفرت ظروف لقاء القمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الذي بات «وشيكا» بحسب المسؤول عن ملف مكافحة الإرهاب في إدارته، سباستيان غوركا، الخبير في حركات «الإسلام العسكري والسياسي» وتنظيماته..
قيل وكتب الكثير عن ترمب ومضيفيه القادة في الدول الشقيقة الثلاثة. نفرح لفرحهم ونفخر بإنجازاتهم في بناء دولهم وخدمة مصالحها. ستبقى لشهور وربما أكثر، ما تضمنته الجولة من اتفاقات وتصريحات موضوعا شيقا مفيدا، إن كان حوارا لا سجال فيه ولا جدالا يفسد للود قضية، لا قدّر الله. فالبعض وهم معروفون للجميع، لا يستطيع رؤية الأمور إلا من زاويته ووفقا لما يتطابق مع تطلعاته، لكن الحقائق والأرقام مسألة ليس فيها نظر. الحصاد هنا ليس حصادا إخباريا ولا برامجيا «توك شو» ولا «ترندات تكتوكية»، الحصاد هنا أربعة تريليونات ونيّف بحسب ترمب، وهو على متن طائرته الرئاسية متوجها إلى احتضان حفيده الحادي عشر من أصغر بناته تيفاني. حفيده الأمريكي اللبناني، ألكساندر ترمب بولص، جعله الله قرة عين والديه، تماما كما يحب ويتمنى كل أب لأطفال الدنيا كلها من أمريكا إلى الشرق الأوسط، إلى غزة التي وعد ترمب بإنهاء معاناتها، تماما كما تعهد بإيقاف العقوبات على سوريا، إكراما لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
قد يكون أهم ما يستوجب التوقف عنده والنظر فيه مليا صوت وصورة وفيديو:
وللصوت بصمة.. صوت المايكروفونات مهم، لكن ذلك الصوت الذي يتم التقاطه عن بعد رغم بعده عن الميكرفون الثابت أو المتحرك تبقى له قيمة إضافية. أبدعت الصحافة الأمريكية في توظيفه خاصة مع تطعيم التصريحات بأصوات إضافية في الخلفية، لتعظيم جوانب الإثارة والهالة حول السائل والمسؤول بصرف النظر عن موضوع التصريح أو الموقف منه. كتعالي وتضارب أصوات الصحفيين في المكتب البيضاوي أو المؤتمرات الصحفية، وهدير الطائرة العمودية في البيت الأبيض أو الرئاسية الأولى في قاعدة آندروز الجوية في ولاية ميريلاند. يضاف إليها فلاشات الكاميرات التي تفعل أفاعيلها صوتا وصورة بما يخدم ويعزز الصورة أو يهزها..
ترمب يعرف كيف يتعامل مع ذلك كله. ويتعمد باحتراف تزويد فريقه الإعلامي والسياسي والصحافة الأمريكية والمضيفة بما يثير فضول الصحافة، وشهوة الشهرة وأحيانا العظمة. الحرص الإيجابي على شخصنة العلاقة بينه وبين المضيف والاشتباك الإيجابي أيضا مع الصحافة، من خلال التركيز على مخاطبة مالكيها وجمهورها برسائل يتم تسبيكها لتشبيكها على أعلى درجات التفاعلية والتأثير والاستدامة. تجلّى الموقف في حالة الإبهار والإنبهار المستندة إلى ما هو مادي وموجود قبل المحادثات وبعدها. يتحدث عن الرخام ويطلق إشارة عن الاستثمار، ويسترسل في المقارنة بينه وبين أسلافه الجمهوريين والديموقراطيين، تحديدا ضد جناحي المحافظين الجدد «نيو كونز»، و»الليبراليين»، الذين أسقطوا النظم وحاولوا عبثا بناء الأمم وفق آيدولجياتهم أو بالأحرى مصالحهم المالية والانتخابية، والمثال كابول وبغداد.. وبالصوت المباشر من المنبر المعد له سلفا، والجانبي خلال فعاليات الترحيب في محطاته الخليجية الثلاثة، يسترسل فيقارن بين أبّهة الإنجاز العمراني الداخلي والخارجي في الرياض والدوحة وأبو ظبي، وبين حال طهران وما ينتظر إيران، ما لم تتمكن قطر من إقناعها بقبول عرض مكتوب تركه ترمب على الطاولة، قبل أن يقفل عائدا إلى بلاده.
أما الصورة التي قد تغني عن ألف كلمة، فأتت تباعا مع كل محطة في الجولة. اللافت هنا الصور الثابتة التي غمرت «التايم لاين» الأمريكي من حسابات شخصية ورسمية لأسماء كبيرة في الوفد السياسي لا الإعلامي فقط كمساعد كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ستيفن ميلر. شيء نادر أن يتحول عضو في وفد رسمي رئاسي كميلر ودان سكافينو القيادي الإعلامي المقرب من ترمب، إلى مؤثر «إنفلوينسر»، فثمة خيط رفيع بين الأمرين، لكنهما قطعا يخدما الأجندة، أجندة الرئيس وإدارته.
صور الرياض من الداخل والخارج، صور الدرعية من الأرض وجوّا عبر «الدرونز». صور جزر النخيل الإماراتية الجوية من الطائرة الرئاسية أثناء عبور أجواء إمارة دبي، صور مسجد زايد الكبير، والكنيس اليهودي في بيت العائلة الإبراهيمية في أبو ظبي، والقلم الذي قيل إنه مليوني والذي رفعه ترمب معتزا بهدية مضيفه القطري بعد توقيع إحدى الصفقات الترليونية، ووسط السجال حول «القصر الطائر» رغم تأكيد ترمب بأنها الطائرة القطرية التي تقدر قيمتها بأربعمئة ميلون دولار إنما هي هدية غير شخصية، تم تقديمها من وزارة الدفاع القطرية لوزارة الدفاع الأمريكية.. صور واقتباسات صوتية، يتم ادّخارها بعناية للحملات الإنتخابية المقبلة لدى الحزبين الجمهوري والأمريكي، في الاستحقاق الأول العام المقبل، في الانتخابات التمهيدية أو التجديد النصفي للكونغرس، إن احتفظ الجمهوريون بالمجلسين وزادت الفجوة الرقمية بين أصوات ليس فقط الحزبين بل الاتجاهين المسيطرين على الحزبين خاصة حركة «ماغا» والمخلصين لأجندة «أمريكا أولا» كما يراها ترمب لا «كما يفتي كل على كيفه»، حتى وإن كان من أخلص المخلصين في الحزب!
الولاء والولاء والولاء سيبقى المعيار، وهنا تأتي بعد الصوت والصورة، الفيديو أو «المشهدية» وهي أصل وسر نجاح أي سردية. من كان ليتخيل أن يشهد مهرجانا لترمب، «ماغا رالي» خارج أمريكا؟ وفي بلاد فيها خصوصية ثقافية، أعرب ترمب عن احترامها بالمصافحة والعناق وليس بالسلام بيد مقبوضة أو بالقبضة «فِسْتْ بَمْبْ»، في إشارة أحسن ترمب توظيفها نيلا من سلفه الرئيس جو بايدن، في زيارته الشرق أوسطية وسلامه على مضيفه ولي عهد المملكة العربية السعودية التي توعدها خلال حملته الانتخابية «بالعزلة»!
كان بالإمكان اختيار الافتتاح فقط بأغنية «بارك الله في أمريكا»، لكن مضيفه الحصيف وليس المضياف فقط، اختار أيضا أغنية النصر بعد أغنية الفخر، اختار «واي إم سي إيه» أغنية راجت في سبعينيات القرن الماضي لتشجيع الشباب المسيحي على السفر والسكن الجماعي في مقارّ تكرس لهذه الغاية، ليست فنادق فارهة من طراز «رِتْزْ كارلتون» الفخيم الذي انبهرت في تفاصيله العمرانية الجمالية المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، تامي برووس في فيديو قامت بنفسها بتصويره عبر آلية «ووك آند توك»، على حساباتها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
لا بل لم تكن المشهدية مدنية فقط، في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي، بل عسكرية أيضا في قاعدة العُديد الأمريكية في قطر حيث قام بأدائها وسط الجنود صاحب الأغنية الشهير «لي غرين وود» بنفسه، فيما زف ترمب البشرى للعسكريين بأنهم سيتلقون كما زملائهم رفاق السلاح «زيادة سخية» على رواتبهم اعتبارا من بداية العام.
لأمريكا الحليف والصديق، وللأشقاء السعودية والإمارات وقطر، ترليون مبارك على شراكة يعمّ فيها الخير ويدوم، في شرق أوسط جديد متجدد يستثمر بالبشر والشجر قبل الحجر، وبما فوق الأرض من بركات لا تحتها من خيرات. أن نبقى ونربح معا، خيرٌ وأبقى من الفناء بدعوى الحرص على البقاء!

مواضيع قد تهمك