اسماعيل الشريف يكتب : عقلية الحصار

«نحن في حرب، ليس ضد مقاتلين، بل ضد وحوش، ونحن نقاتل من أجل البقاء.» نتن ياهو.
عندما استُشهد الحسين بن علي، رضي الله عنه، ظنّ أعداؤه أن مقتله سيقضي على دعوته للإصلاح، لكنه لم يكن سوى شرارة أشعلت تيارًا جديدًا في الإسلام. ومع مرور الزمن، أصبح الحسين رمزًا للتضحية والصمود في وجه الطغيان، وظلّت قضيته حيّةً في وجدان المسلمين، سنةً وشيعةً. وبالمثل، لم يخطر ببال الرومان، المتواطئين مع اليهود، حين وضعوا السيد المسيح بحسب الرواية المسيحية على الصليب، أنهم بذلك أطفأوا الثورة، بينما كانت النتيجة أن الإمبراطورية الرومانية نفسها اعتنقت المسيحية بعد ثلاثة قرون، لتصبح أكبر ديانة في العالم.
التاريخ يعيد نفسه حين يظن الطغاة أن اغتيال القادة سيُضعف المقاومة وينهي الكفاح. فمن السيد المسيح إلى الحسين، مرورًا بجان دارك وعمر المختار، لم يؤدِ اغتيال هؤلاء القادة إلا إلى زيادة صلابة شعوبهم ووحدتها في نضالها. واليوم، يقع نتن ياهو في الخطأ ذاته، متوهّمًا أن اغتيال إسماعيل هنية أو حسن نصر الله أو يحيى السنوار سينهي المقاومة، متجاهلًا دروس التاريخ. فقد اغتال الاحتلال الصهيوني مئات القادة الفلسطينيين وقتل مئات الآلاف من الفلسطينيين، ومع ذلك لم تزدد المقاومة إلا قوةً وعنادًا. قد تحقق الاغتيالات نجاحات تكتيكية، لكنها تظل فشلًا استراتيجيًا بامتياز.
ورغم كل الضربات، لا تزال حماس صامدة، تتفاوض مع الاحتلال باحترافية، وتوجّه الإهانة تلو الأخرى لنتن ياهو، بينما تواصل بناء نفسها.
لكن لماذا يصرّ نتن ياهو على المضي في طريق الفشل؟ قد نجد الإجابة في مفهوم «عقلية الحصار»، وهو مصطلح نفسي يُجسّد حالة الجنود المحاصَرين في الخنادق أثناء الحروب، حيث يصبح همّهم الوحيد هو البقاء على قيد الحياة. ونتيجةً للخوف، يتخذون قرارات متسرعة وسيئة، إذ يطغى التركيز على التهديدات الفورية على حساب الاستراتيجيات بعيدة المدى وفرص التعاون.
في أواخر الحرب العالمية الثانية، أصيب هتلر بـ»عقلية الحصار»، إذ كان جيشه يتكبد هزائم متتالية أمام القوات السوفيتية. وعندما توفي الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت فجأة، اعتقد هتلر أن موته سيؤدي إلى انهيار جيوش الحلفاء، فاحتفل مع مساعديه ظنًّا بأن النصر بات قريبًا، لكن النتيجة كانت هزيمة ساحقة وسقوط الرايخ الثالث.
واليوم، تتجلى «عقلية الحصار» بوضوح في تصرفات نتن ياهو، إذ ظنّ أن اغتيال قادة المقاومة يعني تحقيق النصر، ثم اشترط لوقف الحرب رحيل حماس عن غزة، متجاهلًا حقيقةً واضحة: المقاومة ستبقى، سواء بوجود حماس أو بغيابها، وإن رحلت، فستظهر عشرات التنظيمات الأخرى التي ستواصل الكفاح.
كما أن هذه العقلية تجعله رهينةً لهيمنة المتطرفين داخل حكومته، الذين يفرضون عليه قراراتهم، متجاهلًا عشرات الدراسات وتحذيرات كبار الفلاسفة والقادة العسكريين السابقين، الذين يؤكدون أنه يقود الكيان إلى الهاوية. ولا ننسى، بالطبع، أنه يسعى لإطالة أمد الحرب لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، هربًا من شبح السجن الذي يلاحقه بسبب قضايا الفساد المتهم بها.
نتن ياهو، بعقلية الحصار هذه، يسير على خطى من سبقوه إلى الهلاك، يكرر أخطاء الطغاة الذين حاولوا حكم التاريخ بالقوة ليكتشفوا أن التاريخ لا يحكم إلا بالمنطق والعدل. كل طاغية اعتقد أنه يستطيع طمس فكرة أو محو شعب، انتهى إلى مزبلة التاريخ، بينما بقي الشعب والفكرة. ــ الدستور