المصـداقـيـة تُــمـيّز الأردن.. ولدينا سقف عالٍ من الحريات
أجرى الحوار: نيفين عبدالهادي
انتخاب الأردن لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حدث هام على مستوى دولي يؤكد التقدير الدولي لدور الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في تعزيز منظومة حقوق الإنسان وحمايتها، والثقة الدولية بالمملكة ومواقفها الثابتة في دعم مبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والتزامها بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. على طاولة «الدستور»، وعبر منصة بودكاست، نضع ملف حقوق الإنسان في الأردن بحثا ونقاشا وإنجازات، في لقاء خاص مع المفوض العام لحقوق الإنسان في المركز الوطني لحقوق الإنسان الدكتور جمال الشمايلة، نبدأه بالحديث عن هذا الحدث، ودلالات هذا الأمر الذي يعكس التقدير الدولي لدور الأردن، إضافة لكافة قضايا أخرى.
تتويج لجهود ملكية
** «الدستور»: ما أهمية انتخاب الأردن للمرة الثالثة لعضوية مجلس حقوق الإنسان بـ171 صوتاً؟.
= الشمايلة: الأردن تبوأ هذا المقعد الهام من بين 47 مقعداً بفوز ساحق وأغلبية دولية في الجمعية العمومية. هذا الفوز هو تتويج لجهود جلالة الملك عبدالله الثاني الدولية في الأمم المتحدة، وخطابه الأخير في الجمعية العمومية كان له تأثير قوي جداً على الأمن الإقليمي والسلام والأمن العالميين.
عندما ركز جلالته على حقوق الإنسان، وعندما كان جلالته أول من أبرز موضوع غزة وجانب حقوق الإنسان، وأول من اتخذ إجراءات لحماية حقوق الإنسان في غزة والضفة الغربية والقدس، فإن العالم يرى ذلك.
«الدستور»: كيف تمكن الأردن من الوصول إلى هذا الإنجاز الدولي؟.
= الشمايلة: بكلمة واحدة، هي المصداقية، من كان يحظى بالمصداقية فإنه يكتسب احتراما كبيراً ويصبح رأيه ذا وزن، ونحن ننعم في الأردن بنظام سياسي متزن ومعتدل ومتسامح جدا، ولدينا سقف من الحريات ليس موجوداً في كثير من الدول، ولدينا حرية تعبير وحريات إنسانية نتمتع بها بشكل كبير جداً، وتكاد تكون أفضل حتى من بعض الدول التي تدعي أنها ديمقراطية. المنظمات الدولية تراقب بالمجهر، وعندما نتحدث كأردنيين نتحدث بثقة لأننا نسير خلف قيادة حكيمة تفهم معنى الإنسانية.
تشريعات منسجمة
** «الدستور»: هل حقوق الإنسان في الأردن مؤطرة بإطار تشريعي ينسجم مع تقدّمه بهذا المجال؟.
= الشمايلة: نعم، أنا المسؤول الأول والأخير عن رصد وضع حقوق الإنسان والشكاوى، ونحن نعدّ توصيات دائمة بشأن التشريعات والقوانين التي تعنى بالأسرة والطفل والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة والتعليم والصحة والعمال. ما يميزنا في المركز الوطني لحقوق الإنسان أننا مؤسسة وطنية مستقلة نحظى بولاية ملكية سامية تخوّلنا أن نخاطب جميع السلطات بقوة وبصورة قانونية سليمة، نرفع التوصيات التشريعية للسلطة التشريعية (النواب والأعيان) ونرفع الشكاوى للسلطة التنفيذية بكافة فروعها، الوزارات والهيئات والأجهزة الأمنية، ولدينا قضاء نفتخر به، ولا يشق له غبار في نزاهته في جوانب العدالة الجنائية.
** «الدستور»: هل لكم صلاحيات الضابطة العدلية أو صلاحيات تنفيذية؟.
= الشمايلة: لا يجوز أن يكون لنا، نحن نعمل بموجب قوانين دولية ومبادئ باريس وإعلان التحالف العالمي لمؤسسات حقوق الإنسان، ونلتزم بها، نستطيع أن نوصي، أن نشتكي، أن نحوّل الشكوى، أن نؤشر إلى مكامن الخلل، لكن ليس لنا سلطات الضابطة العدلية، فالقضاء هو الفيصل، ولا نستطيع التدخل إذا كانت القضية منظورة أمام الادعاء العام والقضاء إلا بعد الفصل فيها. لدينا جهاز أمن عام نزيه وشريف يقوم بدوره كضابطة عدلية ومنفذ للقانون وينفذ أوامر القضاء والادعاء العام.
** «الدستور»: ما رؤيتكم وأهدافكم في المركز الوطني لحقوق الإنسان؟.
= الشمايلة: منذ أن بدأ المركز عمله عام 2006 بالإرادة الملكية السامية، قمنا بالدور الذي يجب أن تقوم به أي مؤسسة لحقوق الإنسان في العالم وبل أكثر. أهم أهدافنا أن نوائم تشريعاتنا الوطنية مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. عندما تتواءم التشريعات الوطنية مع القوانين الدولية فهذا هو المقياس الذي يصنفك كدولة متقدمة. ولحسن الحظ، خلال الـ 20 سنة الماضية، حظينا من التحالف الدولي لمؤسسات حقوق الإنسان بتصنيف (A) ثلاث مرات، والسنة القادمة سنعمل على التصنيف، وأكاد أجزم أننا سنحصل على ذات التصنيف.
** «الدستور»: هل يستطيع أي مواطن أن يطرق باب المركز ويقدّم شكوى؟.
= الشمايلة: نعم، أبوابنا مفتوحة ومشرعة دائما، ولدينا قسم شكاوى يضم خبراء يستقبلون إفادة المشتكي، والإجراء بعد ذلك سريع، ونادراً ما تبقى الشكوى على طاولاتنا ليوم يلي تقديم الشكوى، فوراً ترسل للجهة المختصة، وهناك عدة وسائل لهذه الغاية، الوجاهية: يأتون للمركز ويقابلون في قاعة الانتظار، إضافة إلى أننا نستقبل يوميا عشرات الإيميلات من مختلف أنحاء المملكة، شكاوى متنوعة متعلقة بجوانب متعددة، حتى أننا نستقبل شكاوى انقطاع المياه في منطقة نائية، أو قضايا صحية على سبيل المثال.
استثمار لصالح فلسطين
** «الدستور»: كيف يمكن للأردن استثمار عضويته في مجلس حقوق الإنسان لصالح القضية الفلسطينية؟.
= الشمايلة: مجلس حقوق الإنسان معني بالدرجة الأولى بوضع واقع حال السكان تحت الاحتلال، وقضيتنا الأولى هي القضية الفلسطينية، والركن الأساسي في الدبلوماسية الأردنية، وهو ما تعلمناه من الملوك الهاشميين، من الملك المؤسس عبدالله الأول إلى الملك عبدالله الثاني، وهو العمل من أجل فلسطين، واليوم ما يعانيه الشعب الفلسطيني منذ 7 تشرين الأول 2023 إلى اليوم، وما يعانيه في الضفة الغربية ومن منع المصلين من دخول المسجد الأقصى، ومنع المسيحيين من الصلاة، وهجمات المستوطنين الشرسة الإجرامية، وفكرة التهجير واقتلاع الناس من جذورها وهدم بيوتهم، وقلع الزيتون، كلها قضايا يضعها الأردن على منبر الأمم المتحدة، وحتما هذه العضوية تزيد من مسؤولية الأردن في الدفاع عن قضايا الإقليم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
في مواجهة المخدرات
** «الدستور»: اليوم تُبذل جهود ضخمة لمواجهة آفة المخدرات، هل يُمكن وضعنا بصورة وضع المركز بهذا المجال؟.
= الشمايلة: دورنا كبير وهام، وأهم دور هو التوعية العامة، الوطنية والشعبية، لدينا فريق مدرّب في المركز يقوم بندوات وورش عمل داخل المركز وخارجه بالتعاون مع مديرية الأمن العام، لمواجهة المخدرات، ومشكلة المخدرات أصبحت أكبر أحياناً من قدرة الأجهزة على مواجهتها، ونحن نتعاون مع الأمن العام تعاونا ضخما، بهذا الشأن، ويكاد لا يمضي أسبوع إلا وهناك ندوة توعوية مشتركة في المدارس والجامعات والمنتديات الفكرية، والدور الثاني بعد التوعية هو المتابعة الإعلامية، فلا نترك رسالة إعلامية تتعلق بجريمة قتل إلا ونتابعها ولا نغلقها إلا بعد أن نتأكد أن القضاء أخذ مجراه.
** «الدستور»: ما أكبر تحدياتكم اليوم؟.
= الشمايلة: عدد كبير من التحديات، أهمها نقص الكادر: نحتاج كادرا أكبر للقيام بواجباتنا بشكل واسع، إضافة لنقص الموازنة، موازنتنا محدودة علما بأن الموازنة بنسبة 100% من موازنة الدولة، ليس لدينا أي مصدر دخل آخر، وبالمناسبة هذا أصلاً ما ينتج عنه ثقة المواطنين بكل ما يصدر عن المركز، وهذا ما يعطينا المصداقية الوطنية المستقلة، إضافة إلى الولاية الملكية.
لا نعمل بنظام الفزعة
** «الدستور»: هل حقوق الإنسان في الأردن بخير؟.
= الشمايلة: نعم، وعلينا هنا أن نتفق على مسألة هامة بهذا الشأن، المعاناة الإنسانية ليس لها حد زمني، لن أقول لك بعد أسبوع سننجز كل الحقوق، ولن تكون شكاوى بهذا الشأن، فالمعاناة ستبقى وربما تزداد أو تقل حسب الظروف، حتى الظروف السياسية في المنطقة تؤثر، وأيضا هنا يجب الإشارة لجانب هام يتعلق بالاعتداءات بالصواريخ والمسيرات فهي اعتداء على حقوق الإنسان، لكن ما أجزمه أن العمل الدؤوب لرفع المعاناة دائم ومستمر، ووضعنا في الأردن مشرف من نواحٍ عديدة. نحن لا نعمل بطريقة «الفزعة» فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ولا بالطريقة العشوائية، بل هناك تخطيط وتنظيم ومجلس أمناء معني بصنع القرار واستراتيجية على المستوى الوطني، ولدينا دائرة مختصة في الدراسات والأبحاث، لدينا محاور عمل رئيسية: الحقوق السياسية والمدنية وحق التعبير والانتخابات، وفي مجملها حقوق دستورية، ومحور الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ومحور الفئات الأكثر حاجة للحماية، فعلاقتنا مع الجهات كافة علاقة تعاونية وتشاركية.
أجزم أن الوضع مشرّف، لكن هناك قضايا مجتمعية تحدث في كل المجتمعات كالجريمة والمخدرات، ونحن نسعى دائما لمواجهتها.