د. بلال محمد الوادي : هل يسبح مشروعك في المحيط الخطأ؟
في تشرين الثاني من عام 2006، كانت سوني ومايكروسوفت تتسابقان على معالجات أسرع ورسوميات أدق وأجهزة أغلى، وكان المراقبون ينتظرون أن تلحق نينتندو بالسباق. لكنها خيّبت توقعاتهم جميعاً؛ فأطلقت جهاز «Wii» بقدرات أضعف من منافسيه، ووجّهته إلى جمهور لم يكن أحد يراه أصلاً: الأمهات والآباء والأجداد. باعت الشركة أكثر من 100 مليون جهاز، لأنها لم تحاول أن تكسب المعركة، وإنما اختارت أن تخرج منها وتصنع ساحتها الخاصة.
هذه الفكرة هي جوهر ما طرحه البروفيسوران W. Chan Kim وRenée Mauborgne في «استراتيجية المحيط الأزرق». ففي الأسواق محيطات حمراء تتقاتل فيها الشركات على الزبون نفسه حتى تصطبغ المياه بنزيف الأسعار وتآكل الأرباح، ومحيطات زرقاء لم يكتشفها أحد بعد، تُكتب فيها قواعد اللعبة من جديد ويغيب عنها المنافس؛ لأنه لم يصل إليها. وقد كشفت دراستهما لإطلاقات 108 شركات أن 14 % فقط منها كانت «زرقاء»، غير أنها استحوذت على 38 % من الإيرادات و61 % من الأرباح.
ويزداد المحيط الأحمر اكتظاظاً عاماً بعد عام. ففي حزيران 2026 رصدت CB Insights أكثر من 170 شركة ناشئة تتزاحم في مجال «التجارة الوكيلة» وحده، مع أنه قطاع لم يكتمل تشكّله بعد. وفي تقرير Wilbur Labs لعام 2026، عدّ نصف المؤسسين الذكاء الاصطناعي التهديد الأكبر لمشاريعهم. فالمنتج الذي كان يحتاج إلى عامين من البناء، صار يُستنسخ اليوم في أسابيع، ومن يراهن على الأداة وحدها يراهن على ميزة تذوب سريعاً.
وفي الأردن، سُجّلت 7,604 شركات جديدة خلال عام 2025 بنمو بلغ 19 %، وفق بيانات دائرة مراقبة الشركات. رقم يستحق الاحتفاء، لكنه يفتح سؤالاً لا يجوز تأجيله: كم من هذه الشركات فتح سوقاً لم تكن موجودة، وكم منها دخل سوقاً مزدحمة ليقاسم الآخرين الزبون ذاته بالمنتج ذاته وبسعر أقل؟ فالمتجر الإلكتروني الذي يشبه عشرات غيره، وتطبيق التوصيل المكرر، والمقهى الجديد في شارع يعجّ بالمقاهي، كلها تعيد تقسيم السوق ولا توسّعه.
ولا يتطلب الوصول إلى المحيط الأزرق اختراعاً خارقاً، بقدر ما يتطلب جرأة في طرح الأسئلة: ما الذي يدفع العميل ثمنه وهو لا يحتاجه؟ وما الذي يحتاجه ولا يجده؟ ومن هم «غير العملاء» الذين تجاهلهم الجميع؟ قد يكون أحدهم مزارعاً في الأغوار لم يصله أي تطبيق، أو مغترباً يبحث عمّن يرعى والديه في عمّان، أو حرفياً في السلط يصنع منتجاً يليق بالأسواق العالمية ولا يعرف الطريق إليها.
لذلك، قبل أن تسأل كيف تتفوق على منافسيك، اسأل نفسك لماذا تنافسهم أصلاً.
فمن يسبح أسرع في المحيط الخطأ، لن يصل إلا إلى الإنهاك.
*الرئيس التنفيذي للجمعية الأردنية لريادة الأعمال
ــ الدستور