البروفيسور يوسف العساف : الأردن وسوريا في زمن فوضى المعلومات
لم تعد الأزمات في عالمنا اليوم تبدأ بالضرورة
من الميدان، بل قد تبدأ من "شاشة هاتف". فالخبر الذي كان يحتاج إلى ساعات
أو أيام للوصول إلى الناس، أصبح ينتقل خلال ثوانٍ، والصورة التي كانت تحتاج
إلى دليل لتصديقها، أصبح بالإمكان إنتاجها أو تعديلها أو إخراجها من
سياقها باستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وبين سرعة الانتشار وبطء
التحقق، نشأت بيئة إعلامية تختلط فيها الحقيقة بالشائعة، والمعلومة
بالتحريض.
ما شهدناه في الأردن مؤخراً، في أعقاب جريمة كنيسة حمود
والعملية العسكرية الأردنية في جنوب سورية وما رافقها من سقوط ضحايا
مدنيين، يكشف خطورة هذه البيئة. فإلى جانب الأسئلة المشروعة حول ما حدث
والمسؤوليات الإنسانية والقانونية، انتشرت روايات متضاربة، وانتقل النقاش
لدى البعض من مساءلة الوقائع إلى التشكيك في النوايا، ومن نقد أفعال محددة
إلى تعميم الاتهامات على شعوب ومؤسسات بأكملها.
المقلق ليس اختلاف
الروايات، بل سرعة تحولها إلى قناعات وأحكام ومواقف عدائية. فالبعض يعيد
نشر الخبر قبل التحقق منه، وآخر يتعامل مع تعليق باعتباره حقيقة، وثالث
يبني موقفاً من شعب كامل استناداً إلى مقطع مصور أو رواية لم تتضح
ملابساتها. وهكذا تتحول منصات التواصل، التي يفترض أن تقرّب المسافات، إلى
أدوات قد تعمّق الشكوك والانقسامات.
المفارقة أن الأردنيين
والسوريين يجمعهم تاريخ طويل من الجوار والتداخل الاجتماعي والعائلي
والاقتصادي، ومواقف من التعاون والتضامن عبر عقود. لكن فوضى المعلومات تجعل
الإنسان أحياناً يشك فيمن يعرفه، وكأن سنوات من الثقة والتجارب المشتركة
يمكن أن تمحوها رواية متداولة خلال دقائق!
وهنا تكمن خطورة ما يمكن
تسميته بـ"تآكل الثقة الرقمية"؛ فلم يعد الخطر مقتصراً على انتشار
المعلومات الخاطئة، بل امتد إلى إضعاف قدرتنا على التمييز بين الحقيقة
والتضليل، وبين النقد المسؤول والتحريض. وقد زادت التكنولوجيا والذكاء
الاصطناعي هذه المعضلة تعقيداً، إذ أصبح إنتاج الصور والمقاطع والتسجيلات
المفبركة أكثر سهولة، فيما تكافئ خوارزميات المنصات المحتوى المثير
للانفعال أكثر مما تكافئ الدقة والتحقق.
ولا تقع المسؤولية على
التكنولوجيا وحدها، بل على المؤسسات الإعلامية، والجهات الرسمية، وصنّاع
المحتوى، والأفراد. نحن بحاجة إلى إعلام يتحقق قبل النشر، ومؤسسات تتواصل
بشفافية وفي الوقت المناسب، وجمهور يدرك أن إعادة نشر المعلومة ليست فعلاً
محايداً، وأن ضغطة واحدة قد تساهم في نشر ظلم أو اتهام يصعب احتواؤه.
ولا
يعني ذلك الامتناع عن النقد أو منح أي جهة حصانة من المساءلة. فمن حق
السوريين المطالبة بكشف حقيقة ما أصاب المدنيين وإنصاف الضحايا، ومن حق
الأردنيين الدفاع عن وطنهم ومؤسساتهم. لكن المساءلة لا تبرر الاتهام
الجماعي، كما أن التضامن لا يعني الصمت عن الأخطاء.
إن امتحان الوعي
اليوم ليس في قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، فهي متاحة بكثرة، بل في
قدرتنا على تقييمها وفهم سياقها والتمييز بين ما نعرفه وما نعتقده وما لا
نعرفه بعد. فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يثير غضبنا يستحق أن يتحول
إلى موقف نهائي.
لسنا مضطرين إلى الاختيار بين التضامن مع ضحايا
سورية واحترام الأردن، ولا بين محبة الشعبين وتوجيه النقد. فالعلاقات
التاريخية لا ينبغي أن تكون غطاءً للأخطاء، كما لا ينبغي أن تصبح الأخطاء
ذريعة لهدم تلك العلاقات.
في زمن أصبحت فيه المعلومة عابرة للحدود،
ينبغي أن تكون مسؤوليتنا عن الكلمة عابرة أيضاً للحدود. فالأردن وسورية
يحتاجان إلى مزيد من الحقيقة والشفافية والإنصاف، وإلى وعي يدرك أن
الاختلاف في تفسير الأحداث لا يلغي الجوار، وأن المساءلة لا تعني العداء.
وحين
تصبح الشائعة أسرع من الحقيقة، قد نخسر في ساعات ثقةً احتاجت إلى عقود
لبنائها. وحين نفقد الثقة، لا تعود المسألة مجرد أزمة إعلامية، بل تصبح
أزمة مجتمع وعلاقات ومستقبل.