القس سامر عازر : طوبى للحزانى لأنهم يُعزَّون (ليملأ الله قلوبكم، يا أهالي شهداء حمود، بالتعزية والسلام)
القس سامر عازر
مَن يقدر أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟ ومَن يقدر أن يعوّض عن خسارة كبيرة لا تُعوَّض؟ فهناك في الحياة أشياء لا يعوّضها المال، ولا يعوّضها شيء من هذا الوجود، لأن قيمتها لا تُقدَّر بثمن، ولا يمكن أن تُعوَّض بأي ثمن مهما كبر.
فالفقد، مثلاً، يغرس جرحاً غائراً في النفس البشرية، ويصعب شفاؤه، وخصوصاً إذا كان هذا الجرح بسبب أعمال شريرة أو إجرامية ارتكبها الآخرون بحقنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مَن يشفي صدور أقارب مَن نالتهم يد الغدر والإرهاب والتطرف في كنيسة حمود بالكرك؟ مَن يبرّد نار قلوبهم؟ ومَن يشفي هذا الجرح العميق الذي تركه هؤلاء الإرهابيون الخارجون عن أية ملة أو دين، والمنزوعو الضمير الإنساني، والمعصوبو العينين؟ لا ندري حجم الشر الذي وصل إليه عالمنا اليوم، بسفك دماء الأبرياء وانتزاع حقهم في الحياة، وخلق لوعة وحرقة في قلوب أقاربهم.
لقد عشنا لحظات قاسية وصعبة ومؤثرة على مستوى الوطن، وشعرنا بحسرة فظيعة وألم كبير ودمع غزير على فقدان أعز الناس وأغلى الناس. فماذا أعّز من أن يفقد الإنسان قطعة من جسده وفلذة من فلذات أكباده؟! فمن لم يجترع معاناة الفقد لا يعرف بعدُ عمق الألم ونار القلب الملتهبة. فلم تكن تلك الدموع التي انسكبت، والنحيب الذي علا، إلا اعتصاراً للقلب حسرةً ونزفاً له دماً على فقد كبير، ببشاعة وفظاعة كهذا العمل الإرهابي الجبان.
بلا أدنى شك، لا شيء يعوّض الفقد، رغم كل التضامن وكلمات المواساة وجبر الخواطر، على أهميتها ودورها في تخفيف الحزن والألم وتهدئة النفوس الهائجة. ومع ذلك، والحمد لله، كان للهَبّة الوطنية الأردنية من كل حدب وصوب، وعلى رأسها جلالة الملك والعائلة الهاشمية، الأثر الكبير في تهدئة النفوس وتفويت الفرصة على أصحاب النفوس المريضة والأجندات المشبوهة، الرامية إلى ضرب الصف الوطني والموروث الثقافي المتمثل في الوئام الديني والأخوة الإسلامية المسيحية المتجذرة في عمق تاريخ الوطن الأصيل، كما وصفه سمو الأمير الحسن بن طلال المعظم يوم أمس في كلمات التعزية في ديوان الكرك بدابوق، مشيراً إلى أننا جميعاً أردنيون، مسيحيون ومسلمون، مناصرين وأنصاراً لبعضنا البعض؛ فلا أقلية ولا تعايش، بل أبناء وطن واحد.
وأما الشيء الحقيقي الذي يعزّي القلب، فهي كلمات السيد المسيح في الموعظة الخالدة على الجبل: «طوبى للحزانى لأنهم يُعزَّون». هذه التعزية ليست بشرية جوفاء، بل إلهية شافية، فمثل هذا الحزن المتغلغل في الصدور، الله وحده القادر على أن يملأ القلب تعزيةً وسلاماً. وهذا بعمل روح الله القدوس، الذي يلامس عمق الجرح الغائر ويبلسمه، ويملأ القلب بالقوة لتجاوز المصاب الجلل، والنظر إلى الأعالي لنيل القوة السماوية لإكمال مسيرة الحياة في صنع الخير والعمل الصالح، وترسيخ قيم المحبة والعدالة والمساواة.
فلن نسمح للشر أن يهزمنا، ولا للعمل الجبان أن ينال من إيماننا ومن استمرارية شهادتنا للحق الإلهي في أرض الفداء والقداسة. فمشعل الإيمان لن ينطفئ، بل سوف يزداد إشعاعاً بنور محبة المسيح التي لا يقدر شيء أن يفصلنا عنها، لأنها نابعة من عمق الذات الإلهية: «الله محبة»، و«لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير». فبالمحبة ننتصر دوماً، وبالمحبة نغلب عالم الشر، وبالمحبة نعيد بناء ما لوّثته الأيدي العابثة والحاقدة والشريرة.
فكم من قلوب حزينة حوّلتها نعمة الله إلى قلوب مفعمة بالحب الإلهي وخدمة المجتمع والمساهمة في كل ما ينبض بالحب والحياة والفرح. فعلى أجنحة الحزن، يقدرنا الله أن نطير أعلى في عالم خُلق ليمجّد اسم الله القدوس، ويرسي قواعد الإنسانية والخير والسلام.