اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الخبرة وسرعة الاستجابة تحسمان معركة الأجهزة الأمنية مع الإرهابيين

الخبرة وسرعة الاستجابة تحسمان معركة الأجهزة الأمنية مع الإرهابيين
أخبارنا :  

موفق كمال
عمان- على عهدها دوما، تمكنت الأجهزة الأمنية بخبراتها المتراكمة، من إحباط سائر محاولات الإفلات من العدالة والعقاب التي اتبعها ثلاثة متورطين بالعملية الإرهابية التي طالت كنيسة حمود في محافظة الكرك مساء الجمعة الماضية، ما أدى إلى استشهاد 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين.
وكان المتهمون الذين خططوا لتنفيذ العملية استخدموا أسلحة أوتوماتيكية وباغتوا المعزين بإطلاق النار، ومن ثم لاذوا بالفرار.
ويرى خبراء أمنيون أن الخبرة الطويلة لدى الأجهزة الأمنية في محاربة الإرهاب، وسرعة الاستجابة، هما ما أفضيا إلى هذه النتيجة بالقبض على المتورطين الثلاثة بعد محاصرتهم في مبنى مهجور، والقبض عليهم دون تعرض أي رجل أمن ممن شاركوا بالمداهمة للإصابة.
مراكمة الخبرات
وفي هذا الصدد، يرى مدير الاستخبارات العسكرية الأسبق اللواء المتقاعد الدكتور رضا البطوش، أن الاحترافية الأمنية الأردنية في مواجهة التكتيكات الإرهابية قادت إلى سرعة إلقاء القبض على المتورطين، وهو ما يبرز دلالات مهمة تتعلق بكفاءة الأجهزة الأمنية، وقدرتها على التعامل مع الجرائم الإرهابية بمختلف أنماطها وأساليبها، مشيرا إلى أن هذه الأجهزة، بمختلف اختصاصاتها، بما فيها الاستخباراتية، راكمت على مدى سنوات خبرات واسعة في مواجهة الإرهاب، ومتابعة تحركات العناصر المتطرفة، وفهم الأساليب التي تلجأ إليها لمحاولة الإفلات من الملاحقة الأمنية.
وقال البطوش إن المتورطين لجأوا إلى محاولات التضليل، عبر الاحتماء في منزل مهجور، والتخلص من الأجهزة الخلوية، معتقدين أن التواري عن الأنظار أو قطع وسائل الاتصال كفيل بإرباك الأجهزة الأمنية، غير أن سرعة إلقاء القبض عليهم يثبت أن هذه الأساليب لم تحقق الغاية المرجوة منها، وأن التعامل الأمني مع الحادث تجاوز حدود البحث التقليدي عن المشتبه بهم إلى عملية متكاملة من جمع المعلومات وتحليلها وربط القرائن واتخاذ الإجراءات اللازمة.
تكتيكات متكررة في مواجهة خبرة أمنية متراكمة
لم تعد محاولة التضليل واللجوء إلى أماكن مهجورة والتخلص من الهواتف الخلوية أساليب جديدة في عالم الإرهاب، بل هي جزء من أنماط متكررة تلجأ إليها العناصر المتطرفة عندما تدرك أنها ستكون موضع ملاحقة، وربما يعتقد مرتكبو الجريمة أن الاحتماء في منزل مهجور، ولا سيما إذا كان قريبًا من مسرح الجريمة، يوفر لهم غطاءً مناسبًا، ويقلل احتمالات الاشتباه بهم، أو يمنحهم فرصة للابتعاد عن دائرة الاهتمام الأمني.
لكن هذا التصور يعكس فهما قاصرا لطبيعة العمل الأمني الاحترافي؛ إذ إن تحديد المشتبه بهم لا يعتمد على وجودهم في أماكن مأهولة أو معروفة فحسب، ولا يتوقف على تتبع الهواتف والأجهزة الإلكترونية، فالعمل الأمني يقوم على منظومة متكاملة من المعلومات والقرائن والتحليل والتحقق، بما يسمح ببناء صورة أوسع عن الواقعة، وعدم الارتهان لمؤشر واحد في عملية البحث والاستدلال.
ومن هنا، فإن التخلص من الأجهزة الخلوية لا يعني بالضرورة قطع جميع مسارات الوصول إلى المشتبه بهم، مثلما أن الاختباء في مكان مهجور لا يضمن الخروج من دائرة الاشتباه، وتكمن أهمية الخبرة الأمنية في القدرة على التعامل مع هذه المحاولات ضمن سياق أوسع، وتقييمها في ضوء المعطيات المتاحة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها عوائق حاسمة أمام التحقيق.
كفاءة الأجهزة الأمنية
تعكس سرعة إلقاء القبض على المتورطين، في دلالتها العامة، مستوى الجاهزية الأمنية، والقدرة على الاستجابة السريعة، والتنسيق بين مختلف الاختصاصات، كما تؤكد أن محاولات التخفي والتضليل لم تحل دون وصول الأجهزة الأمنية إلى المشتبه بهم خلال فترة قياسية، بالنظر إلى خطورة الاعتداء وطبيعة الاستهداف.
وتبرز هنا ثلاثة أبعاد أساسية:
• الجاهزية والاستجابة، إذ كان التعامل مع الحادث بوصفه اعتداءً خطيرًا يستوجب التحرك العاجل، وجمع المعلومات الأولية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين ومتابعة المشتبه بهم.
• كفاءة التحليل والاستدلال، والتي تعكس القدرة على ربط المعلومات والقرائن المتاحة، وعدم حصر عملية البحث في وسيلة واحدة، بما يساعد على تضييق نطاق الاشتباه والوصول إلى نتائج أكثر دقة.
• التكامل المؤسسي، والذي يؤكد أهمية التنسيق بين الجهات الأمنية والاستخباراتية والاختصاصات الفنية والميدانية، بحيث تتحول المعلومات إلى إجراءات عملية ضمن مسار متكامل.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها إنجازات منفصلة، بل عناصر مترابطة في منظومة واحدة. فالمعلومة، مهما كانت أهميتها، لا تحقق غايتها ما لم تُحلل بصورة صحيحة، وتُربط بغيرها من المعطيات، ثم تُترجم إلى إجراء مناسب في الوقت المناسب.
ولذا فإن الاحترافية الأمنية لا تتجلى في سرعة التحرك وحدها، بل في القدرة على الجمع بين السرعة والدقة، وبين الحزم وسلامة الإجراءات، وصولًا إلى تحديد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون، حيث تمثل سرعة إلقاء القبض محطة مهمة في مسار التعامل مع الحادث؛ لأنها تنقل القضية من مرحلة البحث والملاحقة إلى مرحلة استكمال التحقيق وتحديد الأدوار والمسؤوليات، كما تعزز ثقة المجتمع بقدرة المؤسسات المختصة على التعامل مع الجرائم الخطرة.
وتحمل سرعة ملاحقة المتورطين دلالة مهمة بشأن جدية الدولة في التعامل مع الاعتداءات الإرهابية، وعدم التساهل مع كل ما يستهدف حياة المواطنين أو أمنهم أو حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، فحماية الأردنيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، ليست استجابة ظرفية، بل مسؤولية أصيلة للدولة ومؤسساتها.
استخلاص التجارب
مدير الاستخبارات العسكرية السابق اللواء المتقاعد عزام الرواحنة، أوضح أن الاحترافية لدى الأجهزة الأمنية في سرعة القبض على الخلية الإرهابية ليس بغريب عليها، وذلك نتيجة الخبرات الطويلة داخل الأردن وخارجه في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية أخذت بعين الاعتبار سلامة الفريق الأمني للمداهمة، موضحا أن الدروس المستفادة في السلط وإربد والكرك التي ألحقت بعض الخسائر البشرية بالكادر الأمني، تم تفاديها في هذه العملية.
وأضاف الرواحنة إن من الواضح أن هناك تنسيقا أمنيا كبيرا، إضافة إلى قاعدة المعلومات والبيانات الحديثة وعمليات الاعتقال السابقة، والقدرة على تنفيذ عمليات التقييم والتحليل وتحويلها إلى خطط قادت في النهاية للوصول إلى منفذي العملية.
وأشار إلى أن مثل هذه العمليات الاحترافية تزيد ثقة المواطن بالأجهزة الأمنية، وهي تؤكد قوة ورصانة الجبهة الداخلية، والقدرة على متابعة ومراقبة حملة الفكر التكفيري ومعرفة مساراتهم، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية نجحت في ثلاثة محاور، تتمثل بمتابعة هذه العملية عبر التنسيق القوي بين الأجهزة الأمنية، إضافة إلى وجود قاعدة بيانات للتقييم والتحليل، فضلا عن أن عملية المداهمة كانت سليمة ولم يتعرض أي رجل أمن للأذى، وفي الوقت ذاته، حاولت الأجهزة الأمنية القبض عليهم أحياء لمعرفة من يقف خلفهم.
وأشار إلى أن هذه العملية ليست بالجديدة، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية نفذت عمليات خارج حدود المملكة، وجلبت متورطين من جحورهم.
واظهرت العملية، وفق اللواء الرواحنة، قدرة الأجهزة الأمنية على استخدام التقنيات التكنولوجية والطائرات المسيرة، بالرغم من أن المتهمين لم يكونوا يحملون أجهزة خلوية.
فروق جوهرية
وبحسب العميد المتقاعد الدكتور سعود الشرفات، مؤسس ومدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب، فإن العملية الإرهابية الشنيعة التي استهدفت كنيسة حمود تكشف عن فارق جوهري بين الأساليب التقليدية التي لجأ إليها منفذو العمليات الإرهابية لمحاولة الإفلات من الملاحقة، وبين قدرة الأجهزة الأمنية الأردنية على اكتشاف هذه الأساليب والتعامل معها بكفاءة.
فمحاولة التضليل، والاحتماء بالمنازل المهجورة، والتخلص من الهواتف الخلوية، تعكس اعتقاداً لدى المنفذين بأن إخفاء آثارهم المادية والرقمية قد يمنحهم فرصة للهرب من قبضة الأجهزة الأمنية والاستخبارية، لكنها في المقابل تبرز أهمية العمل الاستخباري المحترف والمتراكم، وربط المعلومات، وتحليل المعلومات والسلوك، وسرعة الانتقال من مرحلة الرصد وجمع المعلومات إلى سرعة تحليلها، فضلا عن وتحديد المشتبه بهم وملاحقتهم وإلقاء القبض عليهم.
أما المؤشر الأهم على الاحترافية الأمنية، وفق الشرفات، فلا يتمثل في سرعة إلقاء القبض على المنفذين فحسب، بل أيضاً في تحييدهم والسيطرة عليهم أحياء، رغم كثافة إطلاق النار، وفق المعلومات المتاحة، دون تسجيل إصابات في صفوف رجال الأمن، وهو ما يعكس الكفاءة في إدارة المواجهة الميدانية، وضبط استخدام القوة، وتحقيق الهدف الأمني مع تقليل الخسائر البشرية.
وتابع: "كما أن إلقاء القبض على الإرهابيين الثلاثة أحياء يتيح إخضاعهم للتحقيق والاستجواب الاستخباري ثم القانوني، وفحص الأدلة والاتصالات والارتباطات المحتملة، وتحديد ما إذا كانت العملية عملاً فردياً أم جزءاً من مخطط أوسع، من دون استباق نتائج التحقيق أو افتراض وجود تنظيم يقف وراءها."
وخلص الشرفات إلى أن قوة الاستجابة الأمنية لا تُقاس بحسم المواجهة وحده، بل بالقدرة على إحباط التهديد، وحماية أرواح المواطنين ورجال الأمن، فضلا عن الحفاظ على الأدلة اللازمة لكشف الحقيقة كاملة وتقديم المتورطين للعدالة.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك