وسيم العبادي : الكرك تنزف… والأردن لن ينحني أمام رصاص الفتنة
بقلم: وسيم العبادي
ليست كل الفواجع أخبارًا تُقرأ، ولا كل الدماء أرقامًا تُحصى، ولا كل الجرائم حوادث تنتهي بانتهاء التحقيقات. ثمة جرائم تطعن الوطن في قلبه، وتترك في ضمير الناس جرحًا لا تداويه الكلمات وحدها. وما شهدته الكرك اليوم ليس وجع مدينة أردنية فحسب، بل وجع وطن بأكمله، وامتحان جديد لصلابة الأردنيين وقدرتهم على حماية ما بنوه من وحدة وتماسك وعيش مشترك.
في الكرك، حيث للتاريخ ذاكرة لا تنسى، وللأرض حكايات كتبتها تضحيات الأردنيين جميعًا، امتدّت يد الغدر لتصيب مواطنين في مشهد يختلط فيه الحزن بالذهول، وتتعانق فيه حرمة الموت مع فداحة الجريمة. رصاصٌ لا يوجع أجساد الضحايا وحدها، بل يترك صداه في بيوت الأردنيين، في قلوب الأمهات، وفي عيون الآباء، وفي ضمير كل من يؤمن بأن الإنسان أكرم من أن يكون هدفًا لرصاصة، وأن دور العبادة أقدس من أن تتحول إلى مسرح للعنف والكراهية.
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وربط على قلوب ذويهم. لكن الرحمة وحدها، على عظمتها، لا تعفينا من قول الحقيقة، ولا تُسقط واجبنا في مواجهة الخطر بحزم ومسؤولية.
حين يصبح استهداف الإنسان استهدافًا للوطن
إن فداحة ما جرى لا تقف عند عدد الضحايا، على فداحة كل روح أُزهقت وكل جرح أُصيب به إنسان. فهناك معنى أعمق يجب أن نتوقف أمامه: خطورة أن تمتد يد السلاح إلى مواطنين في محيط كنيسة، في لحظة يفترض أن تكون فيها الرحمة أوسع من الألم، والسكينة أقرب من الخوف.
إن استهداف الناس في أماكن عبادتهم، أو استغلال أحزانهم ومناسباتهم الإنسانية، جريمة تتجاوز حدود الاعتداء الجنائي إلى المساس بأبسط قواعد التعايش والأمان. وإذا كان وراء هذه الجريمة سعي إلى بث الكراهية أو إشعال فتنة طائفية، فإن الواجب الوطني يقتضي إفشال هذا المسعى من جذوره، دون استباق نتائج التحقيق أو إطلاق الاتهامات قبل ثبوتها.
فالفتنة لا تبدأ دائمًا برصاصة؛ قد تبدأ بكلمة مسمومة، أو إشاعة مجهولة المصدر، أو منشور يزرع الشك بين أبناء البلد الواحد، أو محاولة خبيثة لتحويل جريمة ارتكبها أفراد إلى خصومة بين مكونات المجتمع.
وهنا تكمن الخطورة التي يجب ألا نستخف بها: أن يُقتل الإنسان مرة برصاص الجريمة، ثم يُستهدف الوطن مرة أخرى بخطاب الكراهية، وأن تتحول الدماء التي يجب أن توحّدنا إلى مادة يستثمر فيها أصحاب النفوس المريضة لتوسيع الشقوق وبناء المتاريس بين الأردنيين.
لن نسمح للرصاصة أن تقتل، ثم نمنح الإشاعة فرصة لتفريقنا. ولن نسمح للمجرم أن يختار لنا شكل علاقتنا ببعضنا، أو أن يقرر عنّا من يكون أخًا ومن يصبح غريبًا.
مسيحيّ الأردن ومسلمُه… حكاية وطن لا تقبل القسمة
إلى كل أردني مسيحي شعر اليوم بأن الجريمة أصابت مكانًا عزيزًا على قلبه، نقول: إن وجعك وجعنا، ودمعتك دمعتنا، وحقك في الأمان والكرامة ليس موضع نقاش أو منّة من أحد. أنت لست أقل انتماءً إلى هذا الوطن، ولست بحاجة إلى إثبات أردنيتك أمام أحد. هذه الأرض أرضك، وتاريخها تاريخك، ومستقبلها مستقبلك.
وإلى كل أردني مسلم شعر بالغضب والحزن، نقول: إن حماية الوحدة الوطنية ليست موقفًا عاطفيًا مؤقتًا، بل مسؤولية أخلاقية ودينية ووطنية. فلا دين يبرر قتل الأبرياء، ولا إيمان يقبل تحويل الاختلاف إلى عداوة، ولا وطن يستطيع الوقوف إذا سمح لأبنائه بأن ينظر بعضهم إلى بعض بعين الريبة والخوف.
إن الأردن لم يُبنَ على لون واحد، ولا على صوت واحد، ولا على ذاكرة تخص فئة دون أخرى. بُني بسواعد أبنائه، وبدماء من حملوا مسؤوليته، وبجهود أجيال تعاقبت على حمايته وخدمته، مسلمين ومسيحيين، يجمعهم اسم الأردن قبل كل اسم، وتربطهم رابطة المواطنة والكرامة والمصير المشترك.
وكم هو مؤلم أن يظن بعضهم أن بإمكان رصاصة أن تمحو تاريخًا من التآخي، أو أن تجعل الأردني ينظر إلى جاره بوصفه خصمًا، بعد أن عاشا معًا أفراح الوطن وأتراحه، وتقاسما خبزه وتعبه وأحلامه.
أي وهم هذا الذي يراهن على أن الأردني سيخاصم أخاه بسبب هوية الجاني، أو أن دمعة أم ستتحول إلى حقد على أم أخرى، أو أن جريمة فرد ستنجح في هدم ما حفظته ذاكرة وطن كامل؟
إن من يراهن على ذلك لا يعرف الأردن، ولا يفهم الأردنيين، ولا يدرك أن الروابط التي صنعتها الحياة المشتركة أعمق من أن تنال منها رصاصة، مهما كانت قسوتها.
نحن لسنا مسلمين ومسيحيين يعيشون على أرض واحدة فحسب؛ نحن أردنيون تجمعنا أرض واحدة وحقوق واحدة ومسؤولية واحدة، ولن يكون اختلاف العبادة يومًا أقوى من وحدة الانتماء.
إلى أصحاب الفتنة: لن تجدوا في الأردن وطنًا مستباحًا
علينا أن نكون واضحين، بلا مواربة ولا مجاملة: كل من يقتل الأبرياء، أو يهدد أمن المواطنين، أو يحاول تحويل المجتمع إلى ساحة للكراهية، يجب أن يواجه القانون بأقصى درجات الحزم التي يجيزها، وأن يُحاسب على ما ارتكبه دون تهاون أو انتقائية.
لا حصانة لمجرم، ولا تبرير لجريمة، ولا مكان لمن يعتقد أن بإمكانه ترهيب الأردنيين وإملاء شروطه عليهم بالسلاح.
لكن الحزم الحقيقي ليس في الانفعال وحده، ولا في رفع الشعارات، بل في كشف الحقيقة كاملة، وملاحقة المتورطين، وجمع الأدلة، وتقديم المسؤولين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل. الحزم أن تكون يد الدولة قوية بالقانون، وأن يكون أمن المواطن أولوية لا تقبل المساومة، وأن يشعر كل أردني بأن حياته وكرامته وحرية عبادته مصونة، وأن العدالة لا تعرف دينًا أو عشيرة أو واسطة.
أما أن نسمح للغضب بأن يقودنا إلى التعميم، أو أن نحمّل جماعة بأكملها مسؤولية فعل ارتكبه أفراد، فذلك ظلم آخر لا يليق بنا، وقد يخدم، من حيث لا ندري، الغاية التي نريد إفشالها.
ليس من القوة أن ننزلق إلى الفوضى، بل أن نمنعها. وليس من الشجاعة أن نرد على الكراهية بكراهية مماثلة، بل أن نقتلع أسبابها ونحاصر مرتكبيها ونحفظ المجتمع من امتداد شرورها.
وإذا كان ثمة من يظن أن الأردن يمكن أن يُستنزف من الداخل عبر بث الشكوك بين أبنائه، فإن الرد عليه يجب أن يكون دولة قوية، ومجتمعًا متماسكًا، وعدالة ناجزة، وخطابًا وطنيًا لا يسمح للمتربصين بأن يتسللوا إلى بيوتنا عبر أبواب الطائفية والتحريض.
أجهزتنا الأمنية… ثقة وطن ومسؤولية لا تحتمل التراخي
في هذه اللحظات العصيبة، نقف بكل ثقة خلف قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ونحيّي رجالها ونساءها الذين يحملون مسؤولية حماية الأردن وأهله، وندعم جهودهم في كشف ملابسات هذه الجريمة وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة.
إن الأردنيين ينتظرون الحقيقة، وينتظرون القبض على المتورطين ومحاسبتهم، وينتظرون إجراءات حازمة تحول دون تكرار مثل هذه الجرائم. وهذا حق مشروع للمجتمع، وواجب أصيل على مؤسسات الدولة.
نريد يدًا قوية لا تتردد أمام الجريمة، وعينًا يقظة لا تغفل عن التهديد، وإجراءات أمنية مهنية تضع سلامة المواطنين فوق كل اعتبار. نريد عدالة تردع المجرم، وتحمي البريء، وتبعث الطمأنينة في نفوس الناس، وتؤكد أن الدولة لا تترك أبناءها فريسة للخوف.
وفي الوقت نفسه، فإن دعمنا لأجهزتنا الأمنية يفرض علينا مسؤولية موازية: ألا نعرقل عملها بتداول الشائعات، وألا نستبق التحقيقات، وألا ننشر معلومات غير موثوقة قد تضر بسير الإجراءات أو تزيد من آلام ذوي الضحايا.
فلنترك للمؤسسات المختصة أداء واجبها، ولنكن عونًا لها في حماية المجتمع، لا عبئًا إضافيًا على جهودها.
إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على الردع وحده، بل أيضًا بقدرتها على حماية النسيج الوطني، وصون الحقوق، وتحقيق العدالة، وإغلاق كل منفذ يمكن أن تتسلل منه الفتنة إلى المجتمع.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الصدمة
قد تنتهي ساعات الحزن الأولى، وقد تخفّ وطأة الصور والأخبار، لكن آثار هذه الجريمة لن تُعالج بمجرد انقضاء الوقت. فالاختبار الحقيقي يبدأ حين نقرر كيف سنتصرف بعد الصدمة، وما إذا كنا سنسمح للخوف بأن يعيد تشكيل علاقتنا ببعضنا، أم سنحوّل الألم إلى موقف وطني أكثر صلابة ونضجًا.
يبدأ الاختبار حين نرفض نشر رواية لم تثبت، وحين نواجه خطاب الكراهية مهما كان مصدره، وحين نمنع المتاجرة بدماء الضحايا لتحقيق مكاسب ضيقة، وحين نصر على أن تكون العدالة طريقنا، لا الانتقام الأعمى.
ويبدأ أيضًا حين نُعيد التأكيد على أن المواطنة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عهد يومي يتجسد في احترام حقوق الآخرين، وحماية كرامتهم، والوقوف إلى جانبهم حين يتعرضون للظلم أو الخوف.
إن الوحدة الوطنية لا تعني أن نتجاهل الجريمة أو نقلل من خطورتها، ولا أن ندفن الأسئلة المشروعة تحت عبارات المجاملة. الوحدة الحقيقية تعني أن نواجه الخطر بشجاعة، وأن نطلب الحقيقة كاملة، وأن نحاسب الجناة، وأن نرفض في الوقت ذاته تحويل المأساة إلى خصومة بين أبناء المجتمع.
نحن بحاجة إلى خطاب وطني مسؤول، وإلى مؤسسات تقوم بواجبها، وإلى مجتمع يملك من الوعي ما يكفي لتمييز الحقيقة من التضليل، ومن الشجاعة ما يكفي لرفض التحريض حتى حين يتخفى خلف شعارات الغضب والغيرة على الوطن.
فليس كل من صرخ باسم الأردن خدم الأردن، وليس كل من ادعى الدفاع عن جماعة حماها، وليس كل من أشعل الغضب انتصر للضحايا. أحيانًا تكون أخطر الخيانات تلك التي تتستر خلف الكلمات الوطنية بينما تعمل على تمزيق المجتمع من داخله.
الكرك ليست وحدها… والأردن ليس لقمة سائغة
يا أهل الكرك، يا أهل العز والكرامة، إن مصابكم مصاب كل بيت أردني، وإن دموعكم ليست شأنًا محليًا، وإن وجعكم يمتد من الجنوب إلى الشمال، ومن البادية إلى المدن والقرى. في كل بيت أردني قلب يتألم لما حدث، ودعاء يرافق المصابين، وحسرة على أرواح كان ينبغي أن تعود إلى أهلها سالمة.
لكن الأردن الذي يحزن اليوم هو الأردن نفسه الذي يعرف كيف يقف حين تشتد المحن. الأردن الذي واجه التحديات عبر تاريخه، وتمسك بأمنه واستقراره، لا يجوز أن يسمح لجريمة، مهما عظمت، بأن تسلبه ثقته بنفسه أو تدفعه إلى الشك في أبنائه.
إننا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الصراخ بقدر ما نحتاج إلى موقف ثابت؛ لا إلى تبادل الاتهامات بقدر ما نحتاج إلى حقيقة واضحة؛ ولا إلى شعارات عابرة بقدر ما نحتاج إلى ترجمة الوحدة الوطنية إلى سلوك يومي وموقف لا يتبدل.
نحتاج إلى أن يرى العالم أردنيًا يقف إلى جانب أخيه في محنته، لا أن يرى مجتمعًا يتنازع على هوية الضحايا والجناة. نحتاج إلى أن تكون الكنيسة آمنة كما المسجد، وأن يكون المواطن مطمئنًا في بيته وشارعه ومكان عبادته، وأن يعرف كل من يفكر في العبث بأمن الأردن أن القانون سيلاحقه، وأن المجتمع لن يمنحه فرصة لاختراق وحدته.
فهذا الوطن أكبر من أن تختصره رصاصة، وأعمق من أن تمزقه جريمة، وأقوى من أن تنال منه محاولات العبث بنسيجه الوطني.
كلمة أخيرة… لن نسمح للرصاصة أن تكتب تاريخنا
اليوم، ونحن نودّع الضحايا بالدعاء والدموع، لا بد أن نقول إن الحزن وحده لا يكفي، وإن الغضب وحده لا يكفي، وإن الكلمات مهما بلغت من القوة لا تعيد روحًا إلى جسدها ولا تمحو ألم أم فقدت عزيزًا عليها.
لكن الكلمات تستطيع أن تكون عهدًا، والمواقف تستطيع أن تكون حصنًا، والوحدة تستطيع أن تكون الرد الأقوى على كل من يراهن على تفكيكنا.
عهدنا أن تبقى دماء الأردنيين جميعًا مصونة، وأن تبقى دور عبادتهم آمنة، وأن يظل الاختلاف الديني حقًا محترمًا لا ذريعة للكراهية، وأن نرفض كل محاولة لإشعال فتنة بين أبناء البيت الواحد.
وعهدنا أن نقف خلف دولتنا ومؤسساتنا الأمنية، وأن نطالب بالعدالة والحزم، وأن نرفض الإفلات من العقاب، وأن نمنع في الوقت نفسه أي محاولة لاستغلال الجريمة للنيل من مكوّن وطني أو التحريض عليه.
أما من يظن أن الأردن يمكن أن ينقسم على نفسه، أو أن المسيحي سيصبح غريبًا في وطنه، أو أن المسلم سيقبل المساس بأخيه، أو أن رصاصة قادرة على هدم ما بناه الأردنيون عبر أجيال، فعليه أن يقرأ تاريخ هذا البلد جيدًا، وأن يفهم طبيعة شعبه الذي عرف، رغم كل ما واجهه، أن الوطن لا يُصان إلا بأبنائه جميعًا.
في الأردن، لا عزاء يليق بالضحايا أكثر من عدالة لا تتهاون، ولا وفاء يليق بدمائهم أكثر من وطن يرفض الفتنة، ولا انتصار على الجريمة أعظم من أن يبقى الأردني أخًا لأخيه، مهما اختلفت صلواتهما.
ستبقى الكرك في قلب الأردن، وسيبقى الأردن في قلب أبنائه، وستبقى وحدتنا الوطنية خطًا أحمر لا لأننا نخشى الاختلاف، بل لأننا نعرف قيمة ما يجمعنا.
رحم الله ضحايا الكرك، وشفى المصابين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار.
وليعلم كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الأردن ووحدته أن هذا الوطن ليس ساحة لمشروعات الكراهية، وأن دماء أبنائه ليست مباحة، وأن العدالة ستبقى مطلبه، والوحدة الوطنية ستبقى حصنه، والأردن سيبقى وطنًا لجميع أبنائه، لا يملكه متطرف، ولا تقسمه فتنة، ولا تهزمه رصاصة.