د. طارق سامي خوري : أنا مسيحي في إيماني، قومي في انتمائي، ولا طائفية في موقفي
ما يُتداول عن الحادثة المؤلمة في الكرك، والاعتداء على كنيسة وسقوط ضحايا، ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل اعتداء على مجتمعنا كله، وعلى وحدتنا الوطنية، وعلى تاريخنا المشترك ومصيرنا الواحد.
أنا مسيحي في إيماني، وقومي في انتمائي، ولا تناقض بين الاثنين. فالمسيحية عقيدتي الدينية، أما القومية فهي انتمائي إلى أمة تجمع أبناءها وحدة الأرض والتاريخ والحياة والمصالح والمصير، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.
لا أنظر إلى المسلم باعتباره شريكاً في الوطن فحسب، بل ابن أمتي، ولا أرى في الاعتداء على كنيسة جريمة تختلف في جوهرها عن الاعتداء على مسجد. فالدم واحد، والمجتمع واحد، والجريمة لا دين لها.
لكن ما يجري يستدعي منا مواجهة ثقافة الإقصاء والتحريض والتكفير، ومحاسبة كل من ينصّب نفسه وصياً على إيمان الناس وعقائدهم ولباسهم وسلوكهم، ويمنح نفسه حق الحكم عليهم باسم الله.
لقد شهدنا أخيراً مبادرات وخطابات تتدخل في خيارات الناس الدينية والشخصية، وأثارت جدلاً وانقساماً في المجتمع. ومن حقنا أن ننتقد هذه الممارسات ونحذر من آثارها، دون أن ننسب إليها مسؤولية جنائية عن حادثة بعينها ما لم تثبت الأدلة ذلك.
فالله هو الديّان، وهو وحده من يحكم بين عباده يوم الحشر، وليس من حق أحد أن يفوّض نفسه للقيام بدوره على الأرض.
وأرفض أن يُحمّل المسلمون مسؤولية جريمة يرتكبها أفراد، كما أرفض أن يُستخدم الاعتداء على المسيحيين لإحياء العصبيات الطائفية. فالمجرم يُحاسب على جريمته، والمحرض يُحاسب على تحريضه متى ثبت، ولا يجوز أن تتحول المسؤولية الفردية إلى إدانة جماعية.
أنا لا أطالب بحماية المسيحيين باعتبارهم أقلية، بل بحماية المجتمع كله باعتباره مجتمعاً واحداً، تتساوى فيه الحقوق والواجبات، ويخضع جميع أبنائه لقانون واحد.
لن أحتمي بمسيحيتي من مسلم، ولن أقبل أن يحتمي مسلم بإسلامه مني. حمايتنا في وحدة مجتمعنا، وفي دولة القانون، وفي انتمائنا القومي الذي يتجاوز الانقسامات الدينية والطائفية والمذهبية.
فالخطر على أمتنا ليس في تعدد أديانها، بل في تحويل هذا التعدد إلى انقسام وعداء بين أبنائها.
«كلّنا مسلمون لربّ العالمين: منّا مَن أسلم لله بالإنجيل، ومنّا مَن أسلم لله بالقرآن، ومنّا مَن أسلم لله بالحكمة، وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا وأرضنا وحقّنا إلا اليهود…»
د. طارق سامي خوري