اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : الرداءة على أكتافنا

رمزي الغزوي : الرداءة على أكتافنا
أخبارنا :  

تخيّل عالَما يقضي فيه عالِمٌ عشرين عاما في مختبره ليكتشف ما ينقذ حياة البشر، بينما يحتاج شخص آخر إلى عشرين ثانية من الصراخ أمام هاتفه ليصبح حديث الملايين. الأول يعود إلى بيته حاملا تعب السنوات، والثاني يعود محملا بالإعجابات والأموال وعروض الإعلانات. وفي الصباح، يعرف الناس اسم الصارخ الصاخب، ويتعثرون في اسم العالم. لا تكمن المفارقة في اختلاف المصيرين وحده، وإنما في ذلك الميزان الغريب الذي صرنا نزن به قيمة الإنسان.

التفاهة، في زمن مضى، كانت تعرف مكانها على هامش الحياة. تظهر في استراحة عابرة، ثم تنسحب حين يبدأ الكلام الجاد. أما اليوم فقد بنت عالمها، ونصبت عروشها، وصارت لها خزائن وحراس وجماهير. والأطرف أن رعاياها ليسوا جميعا من المعجبين بها؛ فكثيرون يدخلونها غاضبين، يلعنون ما يشاهدون، ثم يشاركونه مع أصدقائهم كي يغضبوا معهم. وهكذا تتحول السخرية إلى إعلان مجاني، والاستنكار إلى وقود يشعل مزيدا من الشهرة.

في قلب ذلك العالم تجلس الخوارزميات، هذه الكائنات الحسابية التي لا يهمها إن كنت تضحك أو تشمئز، ما دمت تتوقف وتشاهد. تحصي الثواني التي تترك فيها إصبعك ساكنة، وتتعلم ما يستفزك، ثم تعيد تقديمه بجرعات أكبر. إنها لا تمنح التفاهة قيمتها الأخلاقية، وإنما تمنحها فرصة الانتشار، ونحن نتولى بقية المهمة. نغضب، ونعلق، ونتجادل، ثم نستغرب كيف صار أصحاب المحتوى الهابط نجوما.

والأدهى أن الشهرة نفسها تتحول إلى فخ لأصحابها. فمن اعتاد إضحاك الناس بسقطة، سيحتاج غدا إلى سقطة أكبر، ومن حصد الملايين بفضيحة، سيجد نفسه مطالبا بفضيحة أشد. لا يستطيع التوقف، لأن الجمهور الذي رفعه قد يغادره في اللحظة التي يصبح فيها عاديا. كأن الشهرة هنا طاحونة تطحن أصحابها بالحماسة نفسها التي تطحن بها أوقات مشاهديهم.

ومع الوقت، لا يعود الضرر محصورا في مقاطع سخيفة نمر عليها وننساها. يتسلل إلى تصورنا للنجاح، حين تصبح المشاهدات بديلا عن الإنجاز، والصوت المرتفع علامة حضور، والوقاحة اسما آخر للجرأة. ويكبر أطفالنا وهم يرون أن الطريق الأقصر إلى الشهرة قد يمر من باب لا يحتاج إلى معرفة أو موهبة أو جهد. عندها لا تعود التفاهة تسلية عابرة؛ تصبح درسا يوميا في كيفية الصعود دون أن نرتفع.

ومع ذلك، ليست الضحكة خصما للمعنى، ولا المتعة نقيضا للثقافة. قد تحمل نكتة ذكية من البصيرة ما لا تحمله خطبة طويلة. المشكلة حين نخلط بين ما يسلينا وما يستحق أن نقيس به قيمة الحياة، وحين نسمح لضجيج الشاشة أن يقرر لنا من يستحق الإصغاء.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل أننا نقف خارج هذا «العالم» ونشكو من اتساعه، فيما تحمل أكتافنا عروشه كل يوم. نعرف أن ما نشاهده فارغ، ثم نمنحه أثمن ما نملك: وقتنا وانتباهنا.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك