أ. د. هاني الضمور : من إنجاز الخطط إلى أثرها: السؤال الأصعب في تحديث القطاع العام
ثمة سؤال أصعب من سؤال ماذا أنجزت الحكومة؟ وهو: ماذا تغيّر في حياة المواطن بسبب ما أنجزته؟
السؤالان متشابهان ظاهريًا، لكن المسافة بينهما قد تكون المسافة ذاتها بين نجاح الخطة ونجاح الدولة في تحقيق غايتها.
في الأردن، أعلنت الحكومة أخيرًا إنجاز 92% من مستهدفات النصف الأول من البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام لعام 2026، بإنجاز 78 مخرجًا من أصل 85. وهي أرقام مهمة تستحق التقدير، خصوصًا أن مشروع التحديث يستهدف أصلًا إدارة أكثر كفاءة، وخدمات أسهل، ورقمنة أوسع، وتقليلًا للبيروقراطية.سياحة الأردن
لكن الأهم ربما أن الحكومة نفسها قالت إن المرحلة المقبلة ستركز على قياس أثر هذه الإنجازات في جودة الخدمات وتجربة المواطن. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
فالمواطن لا يعيش داخل التقارير، ولا يتعامل يوميًا مع مؤشرات الأداء. إنه يلتقي الدولة عند نافذة خدمة، أو منصة إلكترونية، أو مستشفى، أو مدرسة، أو بلدية، أو دائرة حكومية. ومن هذه التجارب الصغيرة تتشكل، في النهاية، صورته عن كفاءة الدولة كلها.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع إصلاحي ليس أن يفشل، بل أن ينجح في تحقيق مؤشراته دون أن تتحقق بالقدر نفسه الغاية التي صُممت تلك المؤشرات من أجلها.
هذه ليست مشكلة أردنية، بل معضلة معروفة في الإدارة الحديثة. فكل مؤسسة تحتاج إلى أهداف ومؤشرات وتقارير ومواعيد للإنجاز. لكن المؤسسة، مع الوقت، قد تصبح أكثر براعة في تحقيق ما يُقاس، لا بالضرورة في تحسين الواقع الذي وُضع القياس من أجله.
قد نرقمن خدمة، لكن السؤال: هل أصبحت أسهل؟ وقد نختصر إجراءً، لكن هل انخفض الوقت الفعلي الذي يحتاجه المواطن؟ وقد نطلق منصة جديدة، لكن هل وفرت عليه زيارة مؤسسة حكومية؟ وقد ندرب آلاف الموظفين، لكن هل شعر متلقو الخدمة باختلاف في الأداء؟
هنا يصبح التمييز ضروريًا بين المُنجَز والأثر.
المُنجَز تستطيع المؤسسة أن تعدّه: خدمة رُقمنت، موظف دُرّب، نظام أُطلق، إجراء عُدّل. أما الأثر فهو أكثر صعوبة: وقت أقل، كلفة أقل، عدالة أكبر، قرار أسرع، تجربة أبسط، وثقة أعلى.
ولهذا ربما تحتاج عملية تحديث القطاع العام إلى قاعدة شديدة البساطة: كلما أعلنت مؤسسة حكومية ما أنجزته، ينبغي أن يكون السؤال التالي تلقائيًا: وما الذي تغير للمواطن؟
ليس المقصود التقليل من قيمة الخطط والمؤشرات؛ فالإدارة العامة لا تُدار بالانطباعات. بل العكس: المطلوب مؤشرات أكثر ذكاءً، تقيس النتائج لا النشاط فقط، والأثر لا عدد الإجراءات فقط.
وهذا في الحقيقة ينسجم مع فلسفة خارطة التحديث نفسها، التي وضعت المواطن في مركز العملية وربطت الأداء بالنتائج. لذلك فإن الانتقال من قياس التنفيذ إلى قياس الأثر ليس نقدًا لمشروع التحديث، بل ربما يكون الاختبار الأكثر جدية لنجاحه.
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد التقارير التي تقول إنها تغيرت، وإنما بمقدار التغيير الذي لم يعد المواطن بحاجة إلى تقرير كي يلاحظه.
وحين يستطيع المواطن إنجاز معاملته بسهولة، والوصول إلى الخدمة بعدالة، والحصول على قرار واضح في وقت معقول، عندها تصبح أرقام الإنجاز أكثر من أرقام، تصبح حياة يومية.
وربما لهذا ينبغي أن ينتهي كل تقرير حكومي مستقبلي بسؤال واحد، لا تجيب عنه المؤسسة وحدها: لقد أنجزنا الخطة، فهل شعر المواطن بالفرق؟