اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نسيم عنيزات : لماذا لا تريد واشنطن إنهاء الحرب؟

نسيم عنيزات : لماذا لا تريد واشنطن إنهاء الحرب؟
أخبارنا :  

تدرك دول المنطقة، بما فيها إيران، أن استمرار الحرب لا يخدم مصالحها، لما يترتب عليه من تداعيات خطيرة على أمنها واستقرارها واقتصاداتها، فضلًا عن تأثيراته المباشرة في أسواق الطاقة وحركة التجارة والاستثمار.

ومنذ اليوم الأول لاندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حاولت دول المنطقة النأي بنفسها عن الانخراط المباشر في الصراع، كما سعت، عبر الاتصالات والتحركات الدبلوماسية، إلى احتواء التصعيد والدفع باتجاه وقف الحرب وإنهائها.

إلا أن مسار الأحداث يوحي بأن لدى واشنطن حسابات أخرى، وأنها لا تبدو مستعجلة لإنهاء الحرب بصورة كاملة، رغم التصريحات المتكررة التي تصدر عنها بشأن السعي إلى التهدئة ووقف التصعيد. ويطرح ذلك تساؤلًا مشروعًا: هل تريد الولايات المتحدة بالفعل إنهاء الحرب، أم أنها تسعى إلى إدارة الصراع بما يحقق لها أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية؟

وما يعزز هذه التساؤلات تزامن العمليات العسكرية السابقة مع مسارات تفاوضية كانت قائمة بين واشنطن وطهران. فقد شهدت المنطقة حربًا استمرت 12 يومًا خلال العام الماضي، بالتزامن مع مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ثم تجدد التصعيد في نهاية شباط/فبراير الماضي في وقت كانت فيه الاتصالات والمفاوضات قائمة أيضًا. وتثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى ارتباط المسار العسكري بالمسار التفاوضي، وما إذا كانت العمليات العسكرية تُستخدم للضغط على الطرف الآخر وتحسين شروط التفاوض.

كما أن عدم الالتزام الكامل بالتفاهم الذي جرى التوصل إليه في حزيران/يونيو الماضي، والذي رعته باكستان وقطر، يزيد من حالة عدم الثقة ويجعل فرص الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدًا.

ورغم حالة انعدام الثقة القائمة بين إيران وعدد من دول المنطقة، فإن الاتصالات واللقاءات لم تتوقف، بل استمرت محاولات البحث عن مخرج يؤدي إلى وقف الحرب واحتواء تداعياتها. لكن يبدو أن واشنطن تركز، في هذه المرحلة، على تحقيق مجموعة من الشروط قبل الوصول إلى وقف نهائي للقتال، وفي مقدمتها ضمان فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة واستمرار تدفق النفط والغاز، بما يسمح بعودة أسعار الطاقة إلى مستويات أقرب إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

وفي الوقت ذاته، تبدو الولايات المتحدة حريصة على الإبقاء على جزء من وجودها العسكري في المنطقة، وعدم الانسحاب الكامل بعد انتهاء العمليات، بما يتيح لها الحفاظ على نفوذها وقدرتها على التأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي. وقد يفتح ذلك الباب أمام مفاوضات مستقبلية حول الترتيبات الأمنية والاقتصادية وكلفة الحرب والتزامات الأطراف المختلفة.

فالولايات المتحدة، التي كانت طرفًا رئيسيًا في بدء الحرب، لم تتمكن حتى الآن من إنهائها بالشكل الذي كانت تأمله أو وفق الإطار الزمني المتوقع. فالحرب، التي كان يُعتقد أنها قد تستمر ما بين ستة وثمانية أسابيع، دخلت مرحلة أطول بكثير، وهو ما انعكس على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وأصبح من الصعب تجاهل كلفته السياسية والاقتصادية.

ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تصبح الحسابات الداخلية عاملًا إضافيًا في تحديد الموقف الأمريكي. فاستمرار الحرب وما يرافقه من ضغوط على أسواق الطاقة قد تكون له تداعيات على الناخب الأمريكي، في حين أن إنهاء الحرب من دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية قد يفتح الباب أمام خصومها السياسيين لانتقاد طريقة إدارتها للصراع.

وبذلك، يبدو أن واشنطن تجد نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تنهي الحرب من دون أن تبدو وكأنها تراجعت عن أهدافها، وكيف تحافظ في الوقت ذاته على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة؟

وفي المقابل، تتحمل دول المنطقة الجزء الأكبر من تداعيات استمرار الصراع، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب حركة الملاحة، وتراجع الاستثمارات، وتصاعد المخاطر الأمنية، كلها عوامل تفرض على دول المنطقة التعامل مع الأزمة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل أصبح أيضًا: بأي شروط ستنتهي، ومن سيدفع كلفتها، ومن سيخرج منها بأكبر قدر من المكاسب؟

ويبدو أن واشنطن تسعى إلى ضمان أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية قبل الوصول إلى تسوية نهائية، بما في ذلك تغطية جزء من الكلفة التي تكبدتها خلال الحرب والحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض التحركات الأمريكية تجاه إسرائيل، ومنها الدعوات إلى الحد من العمليات العسكرية والاكتفاء بالمراقبة في بعض المراحل، باعتبارها محاولة لمنع اتساع دائرة الصراع وإثارة مزيد من ردود الفعل الإقليمية، بما قد يهدد المصالح الأمريكية ويجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة.

وفي النهاية، فإن استمرار الحرب لا يبدو مرتبطًا فقط بالقدرة العسكرية على مواصلتها، وإنما بحسابات سياسية واقتصادية واستراتيجية متشابكة. وبينما تبحث دول المنطقة عن مخرج يضع حدًا للصراع ويعيد الاستقرار إلى الإقليم، تبدو واشنطن معنية أيضًا بشكل التسوية وشروطها والمكاسب التي يمكن أن تحققها

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب فعلًا، أم إلى إنهائها في اللحظة والشروط التي تضمن لها أكبر قدر ممكن من المكاسب؟

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك