أ. د. هاني الضمور : الأردن لا يحتاج نفطًا… يحتاج أن يحوّل العقل إلى ثروة (2)
في الجزء الأول تحدثت عن ضرورة أن نعيد تعريف دور الجامعة: ألا يتوقف البحث عند النشر والمناقشة، بل أن يجد طريقه إلى منتج وشركة وسوق. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ غالبًا بعد أن ينجح الباحث في الوصول إلى نموذج أولي.
هناك فجوة نعرفها جميعًا. الباحث يستطيع أحيانًا الوصول إلى نموذج أولي، والمستثمر يريد منتجًا ثبت نجاحه، والمصنع يريد منتجًا معتمدًا، والزبون لا يريد أن يكون أول من يجرب. وبين هؤلاء جميعًا تموت الفكرة.
من سيدفع ثمن الاختبارات؟ ومن سيدفع كلفة الاعتماد؟ ومن سيمول أول ألف قطعة؟ ومن يتحمل مخاطرة أول تجربة حقيقية؟
لهذا نحتاج إلى تمويل مخصص لهذه المرحلة بالذات. ليس صندوقًا جديدًا لتمويل المزيد من الأوراق، بل صندوقًا يأخذ الفكرة من النموذج الأولي إلى الاختبار والاعتماد، ثم إلى الإنتاج التجريبي وأول زبون.
وأول زبون يمكن أن يكون الدولة نفسها.
إذا طورت جامعة أو شركة أردنية عداد مياه ذكيًا، فلا أقول إن على الحكومة أن تشتري مليون عداد لمجرد أنه أردني. هذا خطأ. اشتروا خمسة آلاف في مشروع تجريبي، واختبروها بقسوة. إذا فشلت، نعرف لماذا ونطورها. وإذا نجحت، نوسع التجربة.
خمسة آلاف تصبح خمسين ألفًا، وربما بعد ذلك مئات الآلاف.
عندها، عندما يذهب المصنع الأردني إلى السعودية أو الإمارات أو العراق أو أي سوق أخرى، لن يقول لهم: لدي فكرة جميلة. سيقول: لدي منتج يعمل، وهذه نتائجه، وهذا سجل تشغيله.
وهنا الدولة لم تعطِ المصنع منحة. أعطته شيئًا أهم بكثير: أول سوق.
أما ماذا نصنع، فلا داعي لتشتيت أنفسنا في مئات المجالات. لدينا أولويات واضحة أمام أعيننا: المياه، والأجهزة الطبية والتشخيصية، والأدوية المتخصصة، والري والزراعة الدقيقة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي العربي، والبرمجيات المتخصصة، وإلكترونيات القدرة، وتخزين الطاقة، وأجهزة القياس والتحكم.
لا نحتاج إلى أن نصنع ألف شيء. يكفينا أن نختار عشرات الأشياء التي تناسب قدراتنا ومشكلاتنا، ثم نحاول أن نصبح ممتازين فيها.
لكن كل ذلك لن يحدث إذا بقيت الحوافز داخل الجامعة كما هي.
إذا قلت للأستاذ إن ترقيته ومستقبله الأكاديمي يعتمدان أساسًا على عدد الأبحاث التي ينشرها، فمن الطبيعي أن ينشر الأبحاث. لا يجوز أن نصمم النظام بهذه الطريقة ثم نلوم الأستاذ لأنه استجاب له.
يجب أن تكون براءة الاختراع، والمنتج الذي دخل السوق، والشركة التي خرجت من المختبر، والمشكلة التي حُلّت لمصنع أردني، والتقنية التي وفرت على شركة مليون دينار، إنجازات أكاديمية حقيقية وليست أعمالًا جانبية.
وأرى أيضًا أن من الطبيعي أن تكون للجامعة حصة صغيرة في الشركات التي تولد من مختبراتها، ضمن نظام واضح يحفظ حقوق الباحث والجامعة والمستثمر. عندها، إذا نجحت شركة خرجت من الجامعة، يعود جزء من نجاحها إلى الجامعة ليمول الجيل التالي من الأفكار.
بهذه الطريقة يتغير حتى السؤال الذي نطرحه عن البطالة.
نحن اليوم نخرّج الطالب ثم نسأل: أين سيجد وظيفة؟
لماذا لا يصبح السؤال أيضًا: ماذا يستطيع هذا الخريج أن يبني؟
الجامعة التقليدية تعطي الطالب شهادة ثم ترسله إلى سوق العمل. الجامعة التي يحتاجها الأردن يجب أن تعطيه المعرفة والقدرة والأدوات ليحل مشكلة، ويصنع منتجًا، وربما يبني شركة توظف غيره.
محدودية الموارد ليست حكمًا على الأردن أن يبقى اقتصادًا صغيرًا، لكنها تعني أن الخطأ عندنا أغلى. لا نستطيع إهدار أهم مورد نملكه.
وأهم مورد نملكه ليس موجودًا تحت الأرض.
إنه موجود في الجامعات، وفي المختبرات، وفي الشركات، وفي عقول الشباب الأردني.
لا أريد أن يكون نجاحنا الوحيد أن نخرّج مهندسًا ممتازًا ثم نصدره ليبني اقتصاد بلد آخر. أريد أن يبقى تصدير الكفاءات خيارًا طبيعيًا للناس، لكن أريد أيضًا أن نصدر الجهاز الذي صممه المهندس الأردني، والدواء الذي طوره الباحث الأردني، والبرنامج الذي بناه المبرمج الأردني، والتقنية التي خرجت من جامعة أردنية.
لذلك ربما علينا أن نقلل قليلًا من سؤال: ماذا يوجد تحت أرض الأردن؟
ونسأل أكثر: ماذا يوجد داخل عقول الأردنيين؟
والأهم من ذلك كله: هل بنينا النظام الذي يستطيع أن يحوّل ما في هذه العقول إلى ثروة؟
لأن الدول محدودة الموارد لا تصبح غنية فقط بما تستخرجه من أرضها، بل بما تعرف كيف تستخرجه من عقول أبنائها.
ــ الراي