د. نوال محمد نصير : حين يتحدث جلالة الملك من موقع المسؤولية
بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير
في كل مرة يقف فيها جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم، لا يكون الحديث مجرد خطاب جديد يضاف إلى خطابات الأمم المتحدة، فهناك دائما قضية أردنية تحمل هم المنطقة كلها، وهناك أسئلة يعرف الأردنيون جيدا أن تجاهلها لن يجعلها تختفي.
خطاب الملك اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء في وقت تبدو فيه المنطقة أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى صوت يتحدث بلغة واضحة لا تبحث عن التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تتحول الأزمات إلى أمر واقع.
كان واضحا أن فلسطين بقيت في قلب الخطاب، وهذا أمر لا يحتاج إلى تفسير بالنسبة للأردنيين. فالقضية الفلسطينية بالنسبة للأردن ليست ملفا سياسيا بعيدا عنا، بل هي قضية ترتبط بتاريخ المنطقة وأمنها واستقرارها ومستقبلها. ولذلك جاء التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعلى حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لها.
لكن ما لفت انتباهي في الخطاب أن الرسالة لم تكن موجهة إلى طرف واحد فقط. كان هناك حديث عن مسؤولية المجتمع الدولي وعن ضرورة احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وكأن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الأردن اليوم هو إلى متى يمكن للعالم أن يكتفي بمراقبة الأزمات ثم ينتقل من أزمة إلى أخرى دون أن يعالج جذورها.
وهنا تكمن أهمية الموقف الأردني.
الأردن يعرف معنى أن تعيش في منطقة مضطربة، ويعرف معنى أن تستقبل تداعيات الحروب والأزمات على حدوده واقتصاده وموارده. لذلك عندما يتحدث الملك عن الأمن والاستقرار فهو لا يتحدث من بعيد، بل من واقع نعيشه نحن في حياتنا اليومية.
وفي الخطاب أيضا رسالة مهمة تتعلق بالأردن نفسه. فالأردن يريد السلام، لكنه في الوقت نفسه واضح في حماية حدوده ومصالحه وأمنه المائي. وهذا ليس تفصيلا صغيرا، لأن الأمن بالنسبة للدول لا يقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة، بل أيضا بقدرتها على حماية مواردها ومستقبل أبنائها وعدم السماح بأن تتحول أزماتها المحيطة إلى تهديد مباشر لها.
ولعل أكثر ما يحتاجه العالم اليوم ليس المزيد من الكلمات، بل أن تتحول الكلمات إلى أفعال.
فمن السهل أن تصدر بيانات عن السلام، ومن السهل أن تتكرر الدعوات إلى وقف العنف، لكن الأصعب هو أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته وأن يبحث عن حلول حقيقية تمنح الناس فرصة للعيش بأمان وكرامة.
وهذه نقطة أعتقد أنها كانت حاضرة بقوة في خطاب الملك. فالأردن لا يريد أن تبقى المنطقة عالقة في دائرة الأزمات، ولا يريد أن يصبح العنف لغة دائمة بين الشعوب والدول.
كما أن الحديث عن غزة والضفة الغربية والقدس لا ينفصل عن الحديث عن مستقبل المنطقة كلها. فما يحدث هناك لا يبقى محصورا في مكانه، بل تمتد آثاره إلى الأمن والاقتصاد والاستقرار والهجرة والمياه والعلاقات بين الدول.
ولذلك فإن السلام العادل ليس رفاهية سياسية، بل حاجة حقيقية لكل شعوب المنطقة.
وانني أعتقد أن قيمة الخطاب الملكي لا تقاس فقط بما قيل داخل قاعة الأمم المتحدة، وإنما بما يحمله من رسالة للأردنيين أيضا.
رسالة تقول إن الأردن يعرف حجم التحديات التي تحيط به، لكنه لا يريد أن يعيش بمنطق الخوف منها. يريد أن يحافظ على استقراره، وأن يدافع عن مصالحه، وأن يبقى حاضرا في الملفات التي تمس المنطقة، وأن يستخدم الدبلوماسية والحوار عندما يكون الحوار ممكنا، والموقف الواضح عندما يصبح الوضوح ضروريا.
في النهاية، ربما لا يستطيع خطاب واحد أن يغير واقعا معقدا عمره عقود، لكن الخطاب يستطيع أن يضع الحقيقة أمام العالم، وأن يقول إن استمرار الأزمات ليس حلا، وإن تجاهل حقوق الشعوب لا يصنع سلاما وإن المنطقة تستحق مستقبلا مختلفا عن هذا المشهد الذي اعتادت عليه.