اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. محمد العمران الحواتمة : الملك في الأمم المتحدة .. عندما تكلم الأردن من موقع الدولة التي تعرف ثوابتها

م. محمد العمران الحواتمة : الملك في الأمم المتحدة .. عندما تكلم الأردن من موقع الدولة التي تعرف ثوابتها
أخبارنا :  

بقلم : المهندس محمد العمران الحواتمة


في نيويورك لم يكن الأردن حاضرا ليشرح للعالم ما يحدث في المنطقة فحسب بل ليضع أمامه سؤالا أكثر قسوة من كل الأسئلة : ماذا تفعلون بما تعرفون؟ فالعالم اليوم لا تنقصه المعلومات ولا الصور ولا التقارير ولا القرارات وإنما تكمن المشكلة في أن الانتباه أصبح قصير العمر وأن الأزمات قد تتراجع من واجهة المشهد قبل أن تتراجع أسبابها ومن هنا جاءت الفكرة المركزية في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الانتباه أصبح مورداً جيوسياسياً وما نختار أن نراه ونمنحه اهتمامنا يحدد إلى حد كبير أي أزمة تتحول إلى أولوية دولية وأي مأساة تترك خلفها حتى تصبح جزءاً من الواقع ، وهذه ليست فلسفة مجردة فالأردن الذي يعيش في قلب منطقة مضطربة يعرف ثمن تجاهل الأزمات قبل أن تنضج نتائجها ولذلك أعاد الملك وضع القضية الفلسطينية في مركز المشهد محذراً من أن ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بلا حل ومعالجة نتائجه بدلا من أسبابه سمح بانتقال ما كان يوصف بأنه مؤقت إلى واقع دائم وطرح أمام المجتمع الدولي السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية ، هل سنتحرك؟ وفي الضفة الغربية وغزة عرض الملك موقف الأردن من التطورات الجارية وربط بين ما يحدث على الأرض وبين مستقبل حل الدولتين والقانون الدولي مؤكداً أن استمرار فرض وقائع جديدة لا يجعلها حقائق مشروعة لمجرد مرور الزمن كما شدد على أن الصراع ليس صراعاً دينياً بل يتعلق بحقوق الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين في الحياة والحقوق والأرض ، لكن اللافت في الخطاب أن الأردن لم يتحدث عن محيطه وينسى نفسه فعندما وصل الحديث إلى سوريا والحدود الشمالية والمياه انتقل الخطاب من توصيف الإقليم إلى تحديد المصلحة الأردنية بصورة مباشرة أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني والأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه وهنا تظهر إحدى أهم سمات الخطاب الأردن لا يقدم نفسه كدولة تبحث عن التصعيد ولا كدولة تقف على هامش الأحداث بل كدولة تحاول الجمع بين مسارين في وقت واحد الاستجابة للأزمات القائمة وبناء المستقبل من تعزيز التجارة والصناعة والتكنولوجيا إلى مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات وحماية المسيحية في موطنها التاريخي والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية مع استمرار الالتزام بالسلام ودعم صمود الفلسطينيين والأونروا والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والأهم أن الملك وضع أمام العالم مفارقة لا يمكن تجاهلها إذا كان القانون الدولي قاعدة مشتركة فكيف يمكن أن تبقى انتهاكاته بلا معالجة ؟ وإذا كانت الدول تقول إنها تريد السلام فهل يكفي أن تدير الأزمات أم أن عليها معالجة أسبابها؟ وإذا كان المجتمع الدولي يمتلك أدوات الضغط في أزمات أخرى فلماذا لا تتحول الأدوات نفسها إلى فعل عندما يتعلق الأمر بهذه الأزمة ؟ هذه الأسئلة هي التي أعطت الخطاب ثقله السياسي لأنها تنقل النقاش من مساحة البيانات إلى مساحة المسؤولية. ومن هنا فإن قراءة خطاب الملك لا ينبغي أن تكون في عدد الكلمات التي قيلت بل في طبيعة الرسائل التي حملها ، فلسطين ليست قضية يمكن تركها رهينة لتغير جدول الأعمال الدولي وأمن الأردن ليس تفصيلا في خريطة الإقليم والمياه ليست ملفا فنيا منفصلا عن الأمن الوطني والقدس ليست عنوانا موسمياً والسلام ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار بل مسار يحتاج إلى معالجة جذور الصراع والحقوق التي يقوم عليها وفي هذا السياق جاءت عبارة الملك عن الظلم الذي يحتاج إلى انتباه فوري وانتباه مستدام لتختصر جوهر الموقف أن بعض الأزمات تحتاج استجابة عاجلة لكن الظلم يحتاج استمرارية في الاهتمام حتى لا يصبح اعتيادا ولا يتحول الواقع المؤقت إلى واقع دائم.

والأردن في الخطاب الملكي قدم نفسه بوصفه دولة تريد أن تكون واضحة في مبادئها ثابتة في التزاماتها منفتحة على الحوار ومستعدة للعمل مع من يسعى إلى السلام مع التأكيد في الوقت نفسه أن الانحياز إلى الدبلوماسية لا ينبغي أن يفسر على أنه ضعف أو أن يؤخذ كأمر مضمون إلى الأبد وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها أردنيا ، الاعتدال ليس غيابا للموقف والهدوء ليس غيابا للقوة والدبلوماسية ليست تنازلا عن المصالح الوطنية فالخطاب رسم صورة الأردن كما يراها موقفه الرسمي دولة تتحرك ضمن مساحة صعبة تحاول أن تمنع امتداد الأزمات إليها وتحافظ في الوقت نفسه على دورها الإنساني والدبلوماسي وتدافع عن مصالحها وحدودها ومياهها من دون التخلي عن موقفها من فلسطين والقدس والسلام العادل وقد انعكس ذلك أيضا في التغطية الرسمية الأردنية للخطاب حيث جرى التأكيد على الجمع بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحماية الأمن والمصالح الوطنية الأردنية ولهذا فإن أقوى ما يمكن أن يقال عن خطاب الملك ليس أنه كان خطابا مرتفع النبرة بل إنه كان خطابا وضع المسؤولية في قلب المشهد فحين يعرف العالم ما يحدث يصبح السؤال ماذا سيفعل ، وحين يرى الوقائع تتغير على الأرض ، يصبح الصمت عن نتائجها موقفا يحتاج إلى تفسير ، وحين تتراكم الأزمات يصبح المطلوب أكثر من إدارة يومية للأحداث يصبح المطلوب منع تحول الأزمات إلى حقائق دائمة وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى الأمم المتحدة لا تتركوا ما يحدث اليوم ليصبح قدر الغد ولا تجعلوا ازدحام الأزمات سبباً لنسيان الحقوق ولا تجعلوا مرور الزمن بديلا عن الحل وفي نهاية المطاف لم يكن الخطاب مجرد حديث عن الأردن وفلسطين، بل عن سؤال أكبر يتعلق بالنظام الدولي نفسه هل تبقى المبادئ مبادئ عندما تتغير المصالح ؟ وهل يبقى القانون قانونا عندما يصبح تطبيقه انتقائيا ؟ وهل يستطيع العالم أن يطلب السلام من شعوب تعيش نتائج صراعات لم تحل أسبابها ؟ تلك هي الأسئلة التي خرجت من منبر الأمم المتحدة وتلك هي النقطة التي تجعل كلمة الأردن جديرة بالقراءة لا باعتبارها خطابا عابرا وإنما باعتبارها تعبيرا واضحا عن دولة تقول للعالم ما لديها وتحدد مصالحها وتشرح موقفها وتترك أمام المجتمع الدولي مسؤولية الإجابة بالفعل لا بالكلمات. فالأردن قال كلمته وحدد ثوابته ووضع أمنه ومياهه ومصالح شعبه في دائرة لا لبس فيها وأبقى باب السلام مفتوحا أما ما سيفعله العالم بما سمعه فذلك هو الاختبار الحقيقي الذي يبدأ بعد انتهاء الخطاب .


مواضيع قد تهمك