معاذ البطوش : الأردن.. علاقات تُبنى مع الدول ولا تتغير بتغيّر الأشخاص
مع من بنى الأردن علاقاته الخارجية؟ مع الأشخاص أم مع الدول والمؤسسات؟ سؤال يبدو بسيطاً لكنه يكشف جوهر تجربة دبلوماسية أردنية نجحت على مدى عقود من الزمن في وضع المملكة على خارطة العالم السياسية رغم محدودية مواردها وصغر مساحتها وثقل الأزمات المحيطة بها.
الحقيقة أن الأردن لم يبنِ علاقاته على الأشخاص وحدهم، وإن كان قد أدرك مبكراً قيمة العلاقات الشخصية في السياسة الدولية، فجلالة الملك عبدالله الثاني استطاع أن يحول شبكة واسعة من العلاقات مع قادة العالم إلى جسور ممتدة نحو مؤسسات الدول ومنظماتها بحيث لا تصبح العلاقة الأردنية رهينة اسم أو حكومة أو إدارة، وإنما تتحول إلى مصالح وشراكات واتفاقيات تبقى قائمة مع تبدل الأشخاص.
وهنا تكمن قوة الدبلوماسية الأردنية، فاللقاء مع رئيس دولة قد يفتح باباً، والصداقة مع زعيم قد تسهّل الوصول لكن الدولة التي تعرف كيف تحول هذا الوصول إلى شراكة استراتيجية مع مؤسسات الدولة هي التي تضمن استدامة العلاقة، وهذا ما فعله الأردن في علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية ودول العالم، وكذلك مع الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات الدولية، والإقليمية.
ولذلك لم يكن الحضور الأردني دولياً مجرد حضور بروتوكولي، لقد أصبح للأردن موقع في ملفات تتجاوز حجمه الجغرافي من القضية الفلسطينية والقدس إلى الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وقضايا اللاجئين والمياه والتنمية والطاقة، وفي المقابل انعكست هذه العلاقات على الاقتصاد من خلال المساعدات والاستثمارات والشراكات التجارية والتنموية، وعلى الأمن من خلال التعاون الدولي، وعلى السياسة من خلال قدرة الأردن على إيصال موقفه والتأثير في دوائر القرار.
وما جرى على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك يقدم نموذجاً حياً لهذه المعادلة؛ فجلالة الملك لم يكتفِ بإلقاء خطاب أمام العالم، بل عقد لقاءات عديدة مع قادة ومسؤولين ومؤسسات دولية، مؤكداً الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والتعاون مع الأمم المتحدة.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة كان واضحاً أن الأردن يتحدث من موقع دولة تعرف مصالحها، وحدودها وثوابتها، فقد أكد جلالة الملك أن أمن الحدود الشمالية والأمن المائي جزء من الأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يتجاهل ما يمس مصالح شعبه.
هذه ليست لغة دولة تبحث عن حضور إعلامي؛ إنها لغة دولة راكمت خلال سنوات رصيداً من الثقة والعلاقات والمؤسسات.
لقد وضع جلالة الملك الأردن على خارطة العالم ليس بكثرة الظهور، وإنما ببناء الثقة، وأدرك أن العلاقة مع الأشخاص مهمة لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تتحول إلى علاقة بين الدول، وبين المؤسسات، وبين المصالح المشتركة، وهنا الفارق بين دبلوماسية تعتمد على الأشخاص ودبلوماسية تستثمر الأشخاص لبناء الدول.
فالأشخاص يتغيرون، والحكومات تتبدل، والإدارات ترحل لكن الشراكات الراسخة تبقى، وهذه ربما واحدة من أهم ركائز القوة الأردنية الناعمة التي تقول إن الأردن يمتلك أصدقاء في العالم، لكن الأهم أن يمتلك معهم مصالح مشتركة ومؤسسات واتفاقيات وقنوات اتصال لا تنتهي بانتهاء الأشخاص.
ومن نيويورك في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة بدا المشهد واضحاً: الأردن ليس دولة تقف على هامش النظام الدولي، بل دولة صغيرة بحجمها كبيرة بحضورها تعرف كيف تحمي مصالحها، وتبني علاقاتها، وتستخدم الثقة التي راكمتها عبر السنين لتجعل صوتها مسموعاً في عالم لا يمنح المكانة إلا لمن يعرف كيف يصنعها ويحافظ عليها.