أ. د. مصطفى محمد عيروط : الجامعة التي لا تصنع المستقبل… قد تصنع البطالة؟
ليست الجامعات العالمية المتقدمة مجرد مبانٍ كبيرة، ولا مجرد أعداد من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، ولا مجرد شهادات تمنح للخريجين.
الجامعة الناجحة في العالم أصبحت مؤسسة علمية واقتصادية وتنموية؛ تنتج المعرفة، وتجري البحوث، وتخترع، وتسجل براءات الاختراع، وتؤسس الشركات، وتستقطب الطلبة والباحثين من مختلف دول العالم، وتربط التعليم بسوق العمل، وتخدم المجتمع وتشارك في حل مشكلاته.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط: كم جامعة لدى أي بلد ؟ وكم طالباً تخرج؟
بل السؤال الأهم:
ماذا صنعت الجامعة؟ ماذا أنتجت؟ كم خريجاً دخل سوق العمل؟ كم بحثاً تحول إلى ابتكار؟ كم شركة خرجت من رحمها؟ وكم قيمة اقتصادية وتنموية أضافتها إلى مدينتها ودولتها؟
القيادة أولاً
التجارب العالمية الناجحة تؤكد أهمية وجود قيادة جامعية تمتلك رؤية واضحة، وقدرة على المتابعة والتنفيذ والتطوير، وتعمل على أساس الكفاءة والإنجاز والشفافية.
فالجامعة العالمية لا تستطيع أن تتقدم إذا أصبحت قراراتها رهينة للمحاصصة أو المناطقية أو الواسطة أو المحسوبية .
الجامعة مؤسسة علمية، ولذلك يجب أن تكون معايير اختيار قياداتها علمية ومهنية وقابلة للقياس.
رئيس الجامعة أو الفريق الإداري ليس مجرد منصب إداري؛ بل هو صاحب مسؤولية عن مستقبل آلاف الطلبة، وعن المال العام أو الموارد الجامعية، وعن سمعة المؤسسة، وعن قدرتها على المنافسة محلياً ودولياً.
والقيادة الجامعية الناجحة يجب أن تُحاسب على نتائج واضحة: جودة التعليم، البحث العلمي، التمويل البحثي، الابتكار، تشغيل الخريجين، الشراكات الدولية، خدمة المجتمع، والاستدامة المالية.
وتؤكد منهجية تصنيف Times Higher Education لعام 2026 أن تقييم الجامعات البحثية العالمية لم يعد قائماً على التدريس وحده، بل يشمل بيئة البحث وجودته، والانفتاح الدولي، ونقل المعرفة والصلة بالصناعة وبراءات الاختراع.
Times Higher Education (THE)
MIT: الجامعة التي جعلت الابتكار جزءاً من هويتها
من أبرز النماذج العالمية معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT.
القصة ليست فقط في قوة التدريس، وإنما في بناء منظومة تربط الأستاذ والطالب والمختبر والشركة والمستثمر والصناعة.
وفق بيانات MIT، دعمت المؤسسة في السنة المالية 2025 أبحاثاً ممولة مباشرة من الصناعة بقيمة 176 مليون دولار من أكثر من 400 جهة، كما يعمل معها نحو 700 شركة في أبحاث أعضاء هيئة التدريس والطلاب. وفي السنة نفسها قُدمت 684 إفصاحاً عن اختراعات، وسُجلت 623 براءة اختراع أمريكية جديدة، ودُعمت 38 شركة باستخدام ملكية MIT الفكرية.
حقائق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
وفي كلية الهندسة وحدها، تأسست 38 شركة خلال 2025 باستخدام تقنيات MIT المرخصة أو التي حصلت على خيارات ترخيص.
MIT School of Engineering
هذه هي الجامعة التي لا تنتظر أن يأتيها الاقتصاد من الخارج؛ بل تشارك في صناعة الاقتصاد.
أكسفورد: البحث العلمي يتحول إلى شركات ووظائف واستثمار
أما جامعة أكسفورد، فهي نموذج آخر مهم.
فقد أنشأت منظومة متخصصة لتحويل المعرفة والأبحاث إلى تطبيقات وشركات واستثمارات.
وفي 2024/2025 سجلت Oxford University Innovation أرقاماً لافتة: 19 شركة جديدة بدعم منها، و93 طلب براءة اختراع، و1,173 صفقة ترخيص، وبلغ إجمالي الاستثمارات التي جمعتها الشركات المدعومة نحو 489.8 مليون جنيه إسترليني. كما تشير بيانات الجامعة إلى وجود 338 شركة جديدة أُنشئت منذ تأسيس منظومة الابتكار التابعة لها.
Impact Report 2025
والأهم أن دراسة اقتصادية عن أكسفورد قدرت الأثر الاقتصادي الإجمالي المرتبط بشركاتها المنبثقة في المملكة المتحدة بنحو 3.8 مليار جنيه إسترليني، مع نحو 31,685 وظيفة بدوام كامل في السنة الأكاديمية 2021/2022 عند احتساب الآثار المباشرة وغير المباشرة والمستحثة.
Oxford University
هنا تتحول الجامعة من مكان للتدريس إلى محرك اقتصادي.
كامبريدج: الجامعة والمنطقة في منظومة واحدة
والأكثر إثارة في تجربة جامعة كامبريدج أن الجامعة لم تعمل بمعزل عن مدينتها ومنطقتها.
لقد تطورت حولها منظومة من الشركات الناشئة، ورأس المال، والباحثين، والمستثمرين، والمؤسسات الصناعية.
وتقول الجامعة إن أكثر من 23 مليار جنيه إسترليني، أي 78% من أثرها الاقتصادي، يرتبط بالشركات المنبثقة عنها أو المرتبطة بها وبنشاطاتها البحثية والتجارية، مع 178 شركة منبثقة و213 شركة ناشئة مرتبطة بالجامعة في الدراسة المشار إليها.
جامعة كامبريدج
وفي عام 2024/2025 دعمت Cambridge Enterprise الباحثين، وسجلت 1,129 فكرة بحثية مفصحاً عنها، و372 طلب براءة اختراع، و20 شركة جديدة، و402 مليون جنيه إجمالي تمويل جمعته شركات محفظتها.
جامعة كامبريدج للأعمال
هذه ليست جامعة فقط.
هذه منظومة تنمية اقتصادية قائمة على المعرفة.
ما الذي يجمع بين هذه التجارب؟
رغم اختلاف MIT وأكسفورد وكامبريدج، فإن هناك مبادئ مشتركة يمكن ملاحظتها:
أولاً: اختيار القيادة على أساس الكفاءة والإنجاز.
ثانياً: إعطاء البحث العلمي مكانته الحقيقية، وليس اعتباره مجرد متطلب للترقية.
ثالثاً: تحويل البحث إلى تطبيق وبراءة اختراع وشركة ومنتج وخدمة.
رابعاً: بناء علاقة حقيقية مع القطاع الخاص والصناعة والمستثمرين.
خامساً: تشجيع الطلبة وأعضاء هيئة التدريس على الابتكار وريادة الأعمال.
سادساً: الانفتاح على العالم واستقطاب الطلبة والأساتذة والباحثين من مختلف الدول.
سابعاً: قياس الجامعة بالنتائج، لا بعدد المناصب أو الاجتماعات أو المباني فقط.
الجامعة يمكن أن تكون قوة اقتصادية لبلدها
من الخطأ أن ننظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تنفق فقط.
الجامعة الحديثة يمكن أن تكون منتجاً للدخل والاستثمار والمعرفة من خلال البحث العلمي، والاستشارات، وبراءات الاختراع، والشركات المنبثقة، والشراكات مع الصناعة، واستقطاب الطلبة الدوليين، والبرامج المهنية، والاستثمار في الابتكار.
بل إن Oxford University Innovation توضح صراحة أن الشركات التي تطبق الملكية الفكرية والمعرفة الناتجة عن الجامعة يمكن أن تنمو وتخلق وظائف وتجذب الاستثمار وتعيد عوائد مالية تساعد في تمويل دورة جديدة من البحث.
Impact Report 2025
وهنا يجب أن نعيد تعريف مفهوم الاستثمار في التعليم العالي.
فالإنفاق على الجامعة ليس بالضرورة عبئاً إذا كان ينتج عالماً وباحثاً ومهندساً وطبيباً ومعلماً ومخترعاً وشركة ووظيفة واستثماراً.
لكن هناك وجه آخر أخطر
الجامعة يمكن أن تكون بوابة للمستقبل، لكنها إذا انفصلت عن سوق العمل يمكن أن تتحول إلى بوابة لمشكلة اجتماعية واقتصادية.
فإذا تخرج آلاف الشباب في أي بلد سنوياً في تخصصات لا يحتاجها السوق، من دون مهارات عملية أو بحثية أو تقنية، ثم وجدوا أنفسهم أمام سنوات من الانتظار والبطالة، فإن المشكلة لا تعود مشكلة خريج فقط.
إنها تصبح قضية اقتصادية واجتماعية وتنموية.
ولذلك لا يكفي أن يقال في أي بلد: "لدينا عدد كبير من خريجي الجامعات".
السؤال هو:
هل لدينا خريجون يحتاجهم الاقتصاد؟
وهل هناك اسواق لهم بعد أعدادهم حتى خارج بلادهم؟
وهل المناهج تتغير مع تغير سوق العمل؟
وهل الجامعة تعرف أين يعمل خريجوها بعد التخرج؟
وهل تقيس نسبة التشغيل؟
وهل تتعاون مع أصحاب العمل قبل فتح التخصصات؟
وهل لديها نظام حقيقي لتوجيه الطلبة نحو المجالات المطلوبة؟
الجامعة التي لا تقيس مخرجاتها لا تستطيع أن تطور نفسها
إذا أراد اي بلد منافسة عالمياً، فإن المطلوب ليس تقليد MIT أو أكسفورد أو كامبريدج في الأسماء والشعارات، وإنما الاستفادة من فلسفة النجاح.
يحتاج إلى أن سؤال كل جامعة سنوياً:
كم نسبة تشغيل خريجيها؟
كم بحثاً علمياً منتجاً لديها؟
كم براءة اختراع سجلت؟
كم شركة ناشئة خرجت منها؟
كم تمويلاً بحثياً استقطبت؟
كم شراكة حقيقية لديها مع الصناعة؟
كم طالباً دولياً تستقطب؟
كم عائداً اقتصادياً تولده للمنطقة؟
وما أثرها الحقيقي في المجتمع؟
المشكلة ليست في عدد الجامعات… بل في نوعية الإدارة
إن بناء جامعة قوية يحتاج إلى سنوات، لكن البداية يمكن أن تكون بقرار إداري واضح:
اختيار الرجل أو المرأة المناسب للمكان المناسب، بعيداً عن المحاصصة والمناطقية والواسطة والمحسوبية
ثم إعطاء الإدارة الأكاديمية مساحة حقيقية للعمل، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وربط المنصب بالإنجاز، وفتح المجال أمام الكفاءات ، وتشجيع المنافسة بين الجامعات على أساس النتائج.
فالجامعة التي تتقدم عالمياً ليست التي تتحدث كثيراً عن التطوير، وإنما التي تنتج التطوير وتقيسه وتعرض نتائجه للناس.
فالجامعة ليست برجاً عاجياً
الجامعة اليوم يمكن أن تكون عقلاً لدولتها، ومختبراً للاقتصاد، ومصدراً للابتكار، وبوابة للعالم، ومصنعاً للفرص.
والدول التي فهمت ذلك لم تعد تنظر إلى الجامعة كمكان لمنح الشهادات فقط، بل باعتبارها شريكاً في بناء الاقتصاد والمجتمع.
ولهذا فإن إصلاح التعليم العالي في أي بلد يبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم:
هل تريد جامعات تخرّج أعداداً من حملة الشهادات، أم جامعات تخرّج المعرفة والمهارات والاختراعات والشركات وفرص العمل؟
الفرق بين النموذجين هو الفرق بين جامعة تستهلك موارد الدولة، وجامعة تصنع قوة الدولة.
والرسالة الأهم لكل جامعة في اي دوله تريد التقدم والتطوير :
لا تجعلوا هدفكم أن تتخرج دفعة جديدة فقط؛ اجعلوا هدفكم أن تبدأ مع كل خريج قصة نجاح جديدة
وهذا يتم بإدارات يتم اختيارها اعتمادا على الكفاءه والانجاز فقط وليس الواسطه والمحسوبية والمناطقية فجامعات العالم في أي بلد هي لكل أبناء وطنها وليس للمنطقه التي توجد فيها أو مكانا الواسطه والمحسوبية دون ذلك قد تواجه دول جامعات تشكل خطراً على أمنها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بدلا من جامعات تشكل قوة تقدم وازدهار وتنميه فاي جامعه في العالم ناجحه تكون إداراتها وقراراتها نموذج في دولتها والمجتمع في اعتماد الإنجاز والكفاءة والتقييم ونسب تشغيل خريجيها العاليه ولا تشكل قلقا لمجتمع بلدها وأمنه واستقراره
و"الشاطر" في العالم من يأخذ العبره ؟
للحديث بقيه
مصطفى محمد عيروط