اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : نظرية الفانوس الأخضر

اسماعيل الشريف : نظرية الفانوس الأخضر
أخبارنا :  

يمكن قتل إنسان، لكن لا يمكن قتل فكرة - تشي غيفارا.

في عالم القصص المصوّرة، يمتلك البطل الخارق «الفانوس الأخضر» (Green Lantern) خاتمًا يمنحه القدرة على تجسيد أي شيء يتخيّله ويرغب فيه بقوة.

ومن هنا نشأت نظرية سياسية مستوحاة من صاحب الخاتم تُسمّى «نظرية الفانوس الأخضر»، وتقوم على الاعتقاد بأن القوة قادرة على التغلب على أي مشكلة سياسية، وأن أي فشل في تحقيق الهدف لا يعود إلى خطأ في الاستراتيجية، بل إلى عدم استخدام قدرٍ كافٍ من القوة.

يرى أصحاب هذه النظرية، في سياق الحرب الأمريكية الإيرانية، أن عدم سقوط النظام الإيراني يعود إلى عدم استخدام القوة اللازمة؛ فبما أن القصف لم يؤدِّ إلى استسلام إيران، فإن الحل ـ وفقًا لهذا المنطق ـ هو المزيد من القصف. كما يعتقدون أن عدم تدمير المنشآت النووية سببه أنها لم تتعرض لضربات كافية، وهكذا تستمر الحجة في دائرة لا تنتهي: إذا لم تحقق القوة هدفها، فالمطلوب ليس مراجعة الفكرة، بل زيادة حجم القوة المستخدمة.

وقد طبّق الكيان الصهيوني هذه النظرية بصورة واضحة في غزة وجنوب لبنان؛ إذ يؤمن قادته بأن استخدام قوة عسكرية هائلة سيؤدي إلى إحداث تغيير سياسي وسلوكي لدى الخصم. ووفقًا لهذا التصور، فإن تدمير البنية العسكرية سيؤدي إلى انهيار المقاومة، ورفع كلفة المواجهة على المجتمع سيدفعه إلى الضغط على المقاومة أو التخلي عنها، كما أن إظهار قوة ردع هائلة سيقنع الخصم بعدم تكرار المواجهة مستقبلًا.

لكن السؤال الذي لا تتطرق إليه هذه النظرية هو: هل تستطيع القوة وحدها أن تصنع السلام، أو أن تغيّر إرادة مجتمع بأكمله؟.

يعلّمنا التاريخ أن القوة وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف؛ فقد كان الاعتقاد السائد أن إسقاط نظام الرئيس صدام حسين سيؤدي إلى إلى استقرار العراق. إلا أن تغيير النظام كان الجانب الأسهل، بينما فشل الاحتلال في تحقيق الاستقرار الذي وعد به.

وفي أفغانستان، استطاعت الولايات المتحدة إسقاط نظام طالبان، لكنها واجهت بعد ذلك مقاومة شرسة، وفشلت في بناء دولة مستقرة. وكانت النتيجة انسحابها من أفغانستان بعد عقدين من الزمن، لتعود طالبان إلى الحكم من جديد.

في هذين المثالين، لم يكن سبب الفشل أن الولايات المتحدة لم تستخدم القوة الكافية؛ فالقنابل قادرة على إسقاط الأنظمة، وتدمير المنشآت النووية، وتحطيم البنية التحتية، بل وحتى إحداث أكبر عمليات التدمير في التاريخ الحديث وتسوية غزة بالأرض وتهجير سكان جنوب لبنان. لكنها تعجز عن تغيير الأيديولوجيات والأفكار وثقافة المقاومة، كما تعجز عن ضمان عدم إعادة الخصم بناء قدراته وتسليح نفسه مرة أخرى.

ينسى أصحاب هذه النظرية أن هناك سلاحًا يتفوق على كل القنابل والبوارج والطائرات المقاتلة والصواريخ؛ سلاحًا لا يمكن قياسه بالترسانة العسكرية، وهو الإرادة والإيمان.


مواضيع قد تهمك