م. سعيد المصري : الأردن ومواكبة تطور الذكاء الاصطناعي: من القدرات المعرفية إلى التنفيذ الذكي
تستحق متابعة تطور استخدام الذكاء الاصطناعي في الأردن اهتماماً مستمراً، لأن قياس التقدم فيه يرتبط بقدرتنا على مواكبة تحول يمس المعرفة والإدارة وإنتاج السلع وتقديم الخدمات. والسؤال الذي يشغلني هو: هل تتطور قدرات مؤسساتنا بالسرعة والعمق اللذين يتيحان للأردن مواكبة هذا التحول، واستثماره في تعزيز الإنتاجية والتنافسية وتوفير فرص العمل؟
من هذا المنطلق، يأتي اهتمامي بالموجز الذي نشره منتدى الاستراتيجيات الأردني بعنوان «طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات الأردنية». فهو يفتح باباً مهماً للنظر في موقعنا، وفي المسافة بين انتشار استخدام الأدوات الذكية واندماجها الفعلي في الاقتصاد.
بحسب البيانات التي يعرضها الموجز، والمستندة إلى دراسة للبنك الدولي شملت 4,205 شركات في سبع دول، منها 358 شركة أردنية، أفادت 24% من الشركات الأردنية المشمولة باستخدام إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبلغ استخدام روبوتات الدردشة أو الذكاء الاصطناعي التوليدي 21%، فيما لم تتجاوز نسبة استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي أو أنظمة التشغيل الآلي 1%.
تستحق هذه الأرقام قراءة تتجاوز ترتيب الأردن بين الدول المشمولة. فقد يستخدم موظفو شركة الذكاء الاصطناعي في كتابة المراسلات وإعداد العروض وتلخيص التقارير، بينما تبقى إدارة مخزونها وجدولة إنتاجها ومتابعة خدماتها محكومة بإجراءات يدوية وأنظمة متفرقة. وهذه المسافة بين استخدام الأداة وتطوير العملية الإنتاجية هي ما ينبغي أن نتوقف عنده.
إن القدرات المعرفية للذكاء الاصطناعي، من فهم المعلومات وتحليلها وتوليد المحتوى ودعم الاستدلال، تتيح فرصاً مهمة لتحسين العمل. ويتسع أثرها الاقتصادي حين تتصل بعمليات المؤسسة وبياناتها، وتُوظَّف في معالجة مشكلات الإنتاج والخدمات، ضمن أنظمة يمكن مراقبة أدائها والتحقق من نتائجها.
في الصناعة، يشمل ذلك ربط بيانات الآلات وخطوط الإنتاج بمراقبة الجودة والصيانة والتخطيط، بما يتيح اكتشاف عيوب المنتج، والتنبؤ بالأعطال، وضبط استهلاك الطاقة والمواد، ومواءمة الإنتاج مع الطلب والمخزون. وفي شركات الخدمات، يشمل ربط استقبال الطلب بمعالجته وتنفيذه ومتابعته، لتقليل زمن الإنجاز وتحسين توزيع الموارد وجودة الخدمة. هنا تصبح التكنولوجيا جزءاً من القدرة الإنتاجية للمؤسسة.
ومن الضروري التمييز بين الرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي. فتحويل السجلات الورقية إلى ملفات إلكترونية خطوة في الرقمنة، وتنفيذ إجراءات متكررة آلياً يمثل أتمتة قد تعمل بقواعد ثابتة، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي إمكانات التحليل والتنبؤ والتكيف. ويتحقق التحول الأعمق عندما تتكامل هذه المستويات داخل المؤسسة، على أساس بيانات موثوقة وعمليات واضحة وكوادر مؤهلة.
ويبرز هنا مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، حيث تُمنح الأنظمة القدرة على متابعة هدف محدد، وتخطيط خطوات العمل، واستخدام الأدوات والأنظمة الرقمية لتنفيذها، ثم مراجعة النتائج وتعديل المسار ضمن صلاحيات وضوابط محددة. وبذلك تتسع وظيفة الذكاء الاصطناعي من إنتاج إجابة أو توصية إلى المشاركة الفعلية في إنجاز سلسلة مترابطة من المهام.
في شركة صناعية، يمكن لوكيل ذكي، متصل بأنظمة المؤسسة، أن يرصد احتمال نقص مادة أولية، ويتحقق من المخزون وخطة الإنتاج، ويقارن خيارات التوريد، ويُعدّ طلب شراء للموافقة، ثم يتابع تنفيذه ويقترح تعديل الجدول الإنتاجي. وفي شركة خدمات، يمكنه متابعة طلب العميل عبر أنظمة متعددة، والتحقق من اكتمال المعلومات، وتنفيذ الخطوات المسموح بها، وإحالة الحالات الاستثنائية إلى الموظف المختص. وتختلف هذه التطبيقات عن الأتمتة التقليدية ذات المسارات الثابتة، لما تتيحه من التعامل مع معلومات متغيرة واختيار الخطوات المناسبة وفق السياق.
وتحتاج هذه القدرة إلى أنظمة مترابطة، وصلاحيات واضحة، وسجل قابل للتدقيق، وموافقات بشرية للقرارات ذات الأثر الكبير. وكلما اقترب النظام من التنفيذ الفعلي، ازدادت أهمية تحديد المسؤولية والتحقق من النتائج وإمكان إيقاف الإجراء أو تصحيحه. فالقدرة على التخطيط والتنفيذ لا تعني العصمة من الخطأ، ولا تُسقط مسؤولية الإدارة عن القرارات ونتائجها.
من هذه الزاوية، تكتسب النسبة المتدنية التي يعرضها الموجز أهمية إضافية. ولكن ينبغي الانتباه إلى أنه يجمع «وكلاء الذكاء الاصطناعي أو أنظمة التشغيل الآلي» في فئة واحدة، فلا يمكن استخراج نسبة مستقلة للذكاء الوكيلي منها. كذلك لا يجوز تفسير نسبة الواحد بالمئة على أنها دليل على غياب الأتمتة عن بقية الشركات؛ فقد توجد خطوط إنتاج مؤتمتة وأنظمة رقمية لا تندرج ضمن تعريف هذه الفئة. ويحتاج تعميم النتائج إلى معرفة مدى تمثيل العينة للقطاعات وأحجام الشركات.
ومع هذه الحدود، تدعونا النتائج إلى فحص أعمق لجاهزية مؤسساتنا: هل تستطيع ربط بياناتها وعملياتها بما يسمح للأنظمة الذكية بإنجاز مهام مترابطة تحت إشراف مؤسسي؟ هنا يتحدد جانب مهم من المسافة التي ينبغي للأردن قطعها نحو الإنتاج والخدمات الذكية.
إن التحدي هو بناء قدرة مؤسسية على استيعاب التكنولوجيا وتوظيفها. فشراء برنامج متطور لن يحقق أثره المتوقع إذا كانت بيانات الشركة غير منظمة، أو أجهزتها وأنظمتها لا تتبادل المعلومات، أو إجراءاتها معقدة، أو إدارتها غير قادرة على تحديد المشكلة التي تريد حلها. وقد يبدأ الاستثمار الصحيح بإصلاح طريقة العمل وتنظيم البيانات وتأهيل العاملين، قبل الانتقال إلى أدوات أكثر تقدماً.
ومن هنا، أقترح استكمال هذا الجهد البحثي بمسح قطاعي دوري يقيس عمق التحول داخل الشركات الصناعية والخدمية، ويربط مستوى الرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي بمؤشرات الأداء. نحتاج إلى معرفة نسبة العمليات المترابطة رقمياً، ومدى تكامل أنظمة الإنتاج والمخزون والمبيعات، وكلفة التوقف والهدر، وزمن تقديم الخدمة، وقدرة المؤسسات على استخدام بياناتها في اتخاذ القرار والتنفيذ. كما نحتاج إلى متابعة سرعة التحسن، حتى نعرف إن كنا نضيّق الفجوة مع التطور التقني أم نسمح باتساعها.
ويستحق وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة اهتماماً خاصاً. فقد تعوقها كلفة التطوير، وصعوبة اختيار الحل المناسب، ونقص الخبرات. ويمكن لبرامج الدعم أن تجمع بين التشخيص الفني والتدريب والتمويل المرتبط بخطة تطوير واضحة، مع الاستفادة من الجامعات ومراكز التدريب ومزودي الحلول المحليين في تنفيذ تطبيقات محددة وقياس نتائجها.
والبداية العملية الممكنة هي مشروعات تجريبية تعالج مشكلات معروفة: خفض الهدر في مصنع، أو تقليل استهلاك الطاقة، أو تحسين دقة المخزون، أو اختصار زمن خدمة. ويُقاس نجاح كل مشروع بالمقارنة بين أدائه قبل التطبيق وبعده، مع احتساب كلفة التقنية والتشغيل والتدريب. ومن هذه التجارب يمكن بناء خبرة محلية وتوسيع التطبيقات التي تثبت جدواها.
أما العاملون، فيجب أن يكونوا جزءاً من هذا التحول منذ بدايته. فإعادة تصميم العمليات تعني تغيراً في المهام والمهارات المطلوبة، ما يستدعي تدريباً وإعادة تأهيل ومسارات انتقال واضحة. وينبغي أن يشمل تقييم النجاح أثر التكنولوجيا في نوعية الوظائف والأجور وفرص العمل، إلى جانب الإنتاجية والربحية.
لقد قدّم منتدى الاستراتيجيات الأردني مؤشراً يستحق البناء عليه، وتحويله إلى متابعة منتظمة لقدرة الاقتصاد على مواكبة تطور الذكاء الاصطناعي، بقدراته المعرفية والتوليدية والوكيلية. ومسؤوليتنا أن نربط هذه المتابعة بعمل مؤسسي واستثمار وتدريب ونتائج قابلة للقياس، حتى يمتلك الأردن القدرة على استيعاب التطور والمشاركة فيه، وتحويله إلى قيمة مضافة وعمل منتج وتحسن ملموس في حياة الناس.