السياحة العلاجية.. من الخدمة الطبية إلى تنشيط الاقتصاد
تحقيق: سجى شرادقة
تحمل السياحة العلاجية التي حقق بها الأردن مواقع متقدّمة على مستويات عالمية، أبعادا إيجابية كثيرة، تحديدا في دعم الاقتصادي السياحي، الذي يشكّل نسبا مرتفعة من الاقتصاد الوطني، مشكّلة بذلك منظومة اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات عديدة، بتواجد المرضى ومرافقيهم.
تبدأ انعكاسات السياحة العلاجية من الإقامة والنقل والمطاعم والتجارة، وغيرها من القطاعات السياحية، علاوة بطبيعة الحال للمستشفيات، وصولا للخدمات السياحية والترفيهية، في ظل ما يرافق المريض في كثير من الحالات من أفراد أسرته، وما تحتاجه رحلة العلاج من إقامة قد تمتد لأسابيع أو أشهر بحسب طبيعة الحالة ونوع العلاج. في متابعة خاصة لـ»الدستور» حول موقع السياحة العلاجية في المشهد السياحي والطبي، وأبعادها الاقتصادية على الاقتصاد السياحي، بدا واضحا أهمية هذا النوع من السياحة بشكل كبير، تحديدا من الجانب الخاص للمرافقين للمرضى، ودورهم في تنشيط قطاعات اقتصادية مختلفة، وقوفا عن الفرص التي يمكن أن يوفرها تطوير هذا النمط من السياحة أمام الفنادق والشقق الفندقية ووسائل النقل والمطاعم والتجارة والخدمات السياحية، وصولا إلى فرص العمل والخدمات المساندة.
جمعية وكلاء السياحة: ارتفاع معدل الإقامة
رئيس جمعية وكلاء السياحة والسفر محمود الخصاونة، قال إن السياحة العلاجية تعد من المنتجات المهمة لتنشيط الحركة السياحية وتعزيزها، لما لها من تأثير إيجابي في جذب أعداد أكبر من السياح إلى المملكة، مؤكدًا أنها تمثل منتجًا سياحيًا قائمًا بذاته.
وأوضح الخصاونة أن المريض ومرافقيه يمتازون بارتفاع معدل الإقامة، الذي يتراوح بين 10 و12 ليلة، ما ينعكس على زيادة معدل الإنفاق ودعم الاقتصاد الوطني.
وأشار الخصاونة إلى أن فترة علاج المريض تمثل فرصة مهمة لاستثمارها في الترويج للمواقع السياحية وتحفيز المرضى ومرافقيهم على زيارتها، خصوصًا المواقع التي تشكل عناصر رئيسية في المنتج السياحي الأردني، وفي مقدمتها البترا والبحر الميت ومحمية ضانا.
وبيّن الخصاونة أن من أبرز التحديات التي تواجه تنمية السياحة العلاجية الحاجة إلى تكثيف التسويق والترويج لها على المستوى العالمي، والعمل على التعريف بالمنتج العلاجي الأردني بصورة أوسع للوصول إلى أسواق وسياح جدد.
جمعية المستشفيات الخاصة: أضعاف إنفاق السائح العادي
من جانبه، قال رئيس جمعية المستشفيات الخاصة الدكتور فوزي الحموري، إن السياحة العلاجية في الأردن تأثرت خلال السنوات الأخيرة بالتطورات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، إلا أن الأردن ما زال وجهة رئيسية للمرضى العرب، مستفيدًا من الخبرات الطبية المتقدمة والتطور التكنولوجي في المستشفيات، والقدرة على توفير العلاج دون فترات انتظار طويلة مقارنة بالعديد من الدول.
وأشار الحموري إلى أن أداء القطاع شهد تحسنًا طفيفًا خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، مبينًا أن أبرز الجنسيات التي تقصد الأردن للعلاج تشمل العراقيين والسعوديين واليمنيين والفلسطينيين والسوريين والليبيين، إلى جانب جنسيات عربية وأجنبية أخرى.
وأكد الحموري أن إنفاق المريض ومرافقيه يمكن أن يصل إلى ثلاثة إلى خمسة أضعاف إنفاق السائح العادي، داعيًا إلى تصميم برامج متكاملة تجمع بين العلاج والاستجمام والسياحة والتعافي في المناطق الطبيعية، وفي مقدمتها البحر الميت والينابيع الحارة، بما يسهم في إطالة مدة الإقامة وزيادة الإنفاق داخل المملكة.
ولفت الحموري إلى أهمية تطوير تطبيقات وبطاقات خصم خاصة بمرافقي المرضى، تشمل الفنادق والمطاعم وتأجير السيارات والمواقع السياحية، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من قصص النجاح في العلاج والتعافي في التسويق للأردن كوجهة رائدة للسياحة العلاجية.
«مكاتب تأجير السيارات»: تجربة سياحية متكاملة
نقيب أصحاب مكاتب تأجير السيارات مروان عكوبة، قال إن السياحة العلاجية تمثل رافدًا اقتصاديًا مهمًا يمتد أثره إلى قطاعات النقل وتأجير السيارات والفنادق والمطاعم والتسوق والخدمات السياحية، مؤكدًا أن المريض ومرافقيه يشكلون منظومة إنفاق متكاملة.
وأوضح أن زيادة أعداد المرضى القادمين للعلاج تنعكس مباشرة على الطلب على وسائل النقل وتأجير السيارات، خصوصًا أن المريض يصل غالبًا برفقة أفراد من أسرته ويحتاج إلى التنقل بين المطار والفندق والمستشفى ومراكز الفحوصات وغيرها من الوجهات.
وأشار إلى أن الإقامة الطويلة للمرضى ومرافقيهم ترفع الطلب على تأجير السيارات لفترات يومية أو أسبوعية أو شهرية، بما ينعكس على مكاتب التأجير والسائقين ويمتد إلى محطات الوقود وورش الصيانة والتأمين، إضافة إلى الفنادق والمطاعم والقطاع السياحي.
واقترح تعزيز الشراكة بين وزارة السياحة ووزارة الصحة والجمعيات والنقابات المعنية والمستشفيات والفنادق والمكاتب السياحية لإطلاق برنامج متخصص للنقل المرتبط بالسياحة العلاجية، يتضمن استقبال المرضى من المطار، وتوفير سيارات مريحة وآمنة، وتدريب السائقين على التعامل مع المرضى ومرافقيهم، وربط خدمات النقل بحجوزات الفنادق والمواعيد الطبية.
جمعية السياحة العلاجية: إطلاق منتجات متخصصة
وأوضح رئيس الجمعية الأردنية للسياحة العلاجية المهندس عبد الكريم الحموري، أن السياحة العلاجية تدعم الاقتصاد الوطني من خلال الإنفاق المباشر وغير المباشر للمرضى ومرافقيهم، إذ يشمل ذلك الإقامة والمطاعم والنقل والتسوق ومختلف الخدمات التي يحتاجها الزائر خلال وجوده في المملكة.
ودعا الحوري إلى إطلاق منتج سياحي متخصص تحت مسمى «سياحة مرافق المريض»، يتضمن خيارات جاهزة للنقل والأدلاء السياحيين والجولات والمطاعم والتسوق والاسترخاء والعافية، وتقديمها للمرافق من خلال المستشفيات أو الجمعية أو منصة إلكترونية، مع توضيح السعر والمدة ووسائل النقل وإمكانية الحجز.
واقترح الحموري إنشاء منصة موحدة تربط المستشفيات بالفنادق وشركات النقل والمكاتب السياحية والمطاعم والمواقع السياحية، إلى جانب تطوير باقات متكاملة للعلاج والإقامة والسياحة والعافية وبرامج المرافقين، وعدم النظر إلى طول فترة العلاج باعتبارها فترة انتظار، بل فرصة اقتصادية يمكن استثمارها. وأشار الحموري كذلك إلى إمكانية خلق فرص عمل جديدة للأردنيين، ولا سيما الممرضين، من خلال خدمات الرعاية المتخصصة للمرضى الدوليين بعد خروجهم من المستشفى، سواء في أماكن إقامتهم أو من خلال الرعاية المنزلية، بما يشمل متابعة الأدوية والعلامات الحيوية والحركة والعناية اليومية والتنسيق مع الطبيب أو المستشفى.
جمعية الفنادق: فرص كبيرة لقطاع الخدمات
عضو جمعية الفنادق الأردنية الخبير السياحي محمد القاسم، أكد أن الفنادق والشقق الفندقية في الأردن تمتلك جاهزية لاستقبال أعداد أكبر من المرضى ومرافقيهم، مستفيدة من خبرة تمتد لعقود وتنوع في مستويات الإقامة والأسعار، إلى جانب قرب العديد من أماكن الإقامة من المستشفيات في العاصمة عمّان.
ودعا إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لاستعادة الأردن لموقعه المتقدم في مجال السياحة العلاجية والعافية، مشيرًا إلى أهمية تكامل الجهود مع وزارة الصحة ووزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة لتطوير منصات إلكترونية أو مراكز خدمة متكاملة تعمل كـ«نافذة واحدة» أمام المريض، وتوفر له العلاج والإقامة والنقل والخدمات السياحية وتسهيلات الدخول.
ولفت القاسم إلى أهمية تسهيل التأشيرات لبعض الجنسيات، إلى جانب تطوير باقات متكاملة تجمع تذكرة السفر والإقامة والعلاج، بما يجعل قرار المريض أسهل ويختصر عليه الوقت والإجراءات.
عايش: نشاط اقتصادي واسع
وفي قراءة اقتصادية، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش، إن السياحة العلاجية في الأردن تتجاوز مفهوم انتقال المريض للحصول على خدمة صحية، لتشكل نشاطًا اقتصاديًا مركبًا يشمل السياحة الطبية والعلاجية والاستشفائية والتجميلية، وتنعكس آثاره على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وقدّر الإنفاق السنوي المرتبط بالسياحة العلاجية في الأردن بنحو 1.5 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 3 إلى 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع إمكانية ارتفاع هذا الرقم في حال تطوير القطاع وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للمرضى ومرافقيهم.
وأوضح أن السائح العلاجي ينفق عادة أكثر من السائح التقليدي، وقد يصل إنفاقه إلى ثلاثة أو خمسة أضعاف، كما أن مدة إقامته تكون أطول، فضلًا عن الإنفاق الذي يضيفه المرافقون.
ولفت إلى أهمية المرافقين في قياس الأثر الاقتصادي، موضحًا أن المريض قد يأتي برفقة شخص أو أكثر، وضرب مثالًا بافتراض قدوم نحو 230 ألف مريض برفقة متوسط 1.5 مرافق، ما يعني حركة اقتصادية لنحو 575 ألف شخص، وليس 230 ألف مريض فقط.
وأكد أن السياحة العلاجية أقل موسمية من السياحة الترفيهية، إذ يمكن أن تستمر حركة المرضى على مدار العام، بما يوفر تدفقًا أكثر استقرارًا للطلب على الخدمات المختلفة.
ودعا عايش إلى الانتقال من بيع الخدمة الطبية منفردة إلى بيع رحلة علاج متكاملة تبدأ من استقبال المريض في المطار والنقل والإقامة والطعام، ولا تنتهي عند العلاج، بل تمتد إلى العلاج الطبيعي والتعافي وبرامج المرافقين.
ــ الدستور