أ. د. مصطفى محمد عيروط : المحافظة النوعية أم زيادة الأعداد في الطب ؟
عندما يرتفع قبول الطب من 640 إلى 840.. فماذا عن الدراسات التي بنى مجلس التربيه والتعليم وتنميه الموارد البشريه قراره ؟
التعليم الطبي ليس قراراً رقمياً عابراً، ولا قضية تخص الطالب وحده، وإنما هو قرار وطني يمس الأسرة والجامعة وسوق العمل والاقتصاد الوطني وسمعة الطبيب الأردني ومستقبل القطاع الصحي.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نزيد أعداد المقبولين في الطب وطب الأسنان؟
بل السؤال الأهم:
كيف وصلنا أولاً إلى قرار 640 طالباً في الطب و320 في طب الأسنان تحت عنوان المحافظة على النوعية، ثم أصبح العدد 840 في الطب و400 في طب الأسنان؟ وما الدراسات التي بني عليها القرارين؟
لقد أقر مجلس التعليم العالي في عام 2023 خطة تدريجية لأعداد القبول في الطب وطب الأسنان للأعوام 2023-2028، وكان من المقرر أن يصبح قبول الطب في الجامعات الرسمية 640 طالباً اعتباراً من 2025-2026، بعد أن كان 800 طالب في 2024-2025. وارتبط القرار آنذاك بضبط جودة مخرجات التعليم العالي، والالتزام بالطاقة الاستيعابية، والحد من التوسع في أعداد الخريجين والبطالة مستقبلاً.
والجامعات الرسمية التي تضم برامج الطب البشري المعنية بهذه الخطة هي: الجامعة الأردنية، جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، الجامعة الهاشمية، وجامعة البلقاء التطبيقية، جامعة مؤته وجامعة اليرموك بينما تضم برامج طب الأسنان ثلاث جامعات رسمية وفق الخطة التي أعلنتها الوزارة، وهي الجامعة الأردنية والعلوم والتكنولوجيا والجامعة الهاشمية.
من 640 إلى 840.. ماذا حدث؟
في 9 أيلول 2026 أعلن مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رفع العدد المقرر للقبول في الطب في البرنامج العادي بالجامعات الرسمية من 640 إلى 840 طالباً وطالبة، أي زيادة قدرها 200 طالب، نحو 31.25%.
كما رفع العدد في طب الأسنان من 320 إلى 400، أي زيادة قدرها 80 طالباً، بنسبة 25%.
ولم تتوقف الزيادة عند ذلك؛ فقد قرر المجلس أيضاً زيادة النسبة المخصصة للقبول في البرنامج الموازي، كما قرر في الجامعات الخاصة زيادة القبول في الطب وطب الأسنان بواقع 20 طالباً في كل تخصص في كل جامعة.
وتقول الوزارة إن القرار جاء في إطار المراجعات الدورية للطاقات الاستيعابية ومعايير الاعتماد، وإن من أهدافه الحد من توجه الطلبة الأردنيين إلى دراسة التخصصات الطبية خارج الأردن، والحفاظ على نوعية الخريجين، إضافة إلى إبقاء الأموال التي ينفقها الطلبة في الخارج داخل الاقتصاد الأردني.
وهنا نقول بكل احترام:
هذا تفسير مهم، لكنه يفتح أسئلة أكبر.
إذا كانت الطاقة الاستيعابية والمعايير الأكاديمية هي الأساس، فما الذي تغير بين قرار 640 وقرار 840؟
هل زادت أعداد أعضاء هيئة التدريس؟
هل توسعت المستشفيات التعليمية؟
هل زادت أعداد الأسرّة والتدريب السريري؟
هل زادت أعداد المرضى الذين يحتاج إليهم طالب الطب للتدريب؟
هل تغيرت معايير الاعتماد؟
هل أُعيد احتساب حاجة الأردن المستقبلية للأطباء؟
وهل أجريت دراسة جديدة لسوق العمل الأردني والعربي والعالمي؟
من حق المجتمع أن يعرف الأرقام والدراسات، لا أن يعرف الرقم النهائي فقط.
المحافظة النوعية..
لقد قيل عند تخفيض أعداد القبول إن الهدف هو المحافظة على النوعية.
ونحن مع المحافظة على النوعية بكل قوة.
بل نطالب بأكثر من ذلك: نريد طبيباً أردنياً منافساً للطبيب العالمي، متقناً للغة الإنجليزية ولغات عالميه ، قادراً على البحث العلمي، والتعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، واجتياز الامتحانات الدولية، وقادراً على العمل في المستشفيات العالمية.
لكن المحافظة على النوعية لا تعني بالضرورة تقليل الأعداد فقط.
المحافظة على النوعية قد تعني أيضاً زيادة الاستثمار في التعليم الطبي، وزيادة أعضاء هيئة التدريس، وتطوير المستشفيات الجامعية، وتوسيع التدريب السريري، وربط أعداد القبول بحاجات الأردن وحاجات العالم.
فالطبيب الأردني لم يثبت كفاءته داخل الأردن فقط، بل إن خريجي كليات الطب الأردنية أثبتوا حضوراً مهنياً مميزاً في دول عربية وأجنبية.
إذن السؤال ليس كم طبيباً نُخرج فقط، وإنما:
أي طبيب نُخرج؟ وأين سيعمل؟ وما مستوى كفاءته؟
لماذا نغلق الباب ثم نفتح باب الخارج؟
في 23 آب 2026، تحدث أمين عام وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لشؤون المدارس عن اتفاق مع مصر لقبول الطلبة الأردنيين من الحقل الصحي في كليات الطب.
وتطالعنا الاخبار بقرار مجلس أعلى في دوله عربيه بفرض امتحان تكميلي على الطلبه حاملي شهادة الدراسه الثانويه وفقا للحقل الذي تخصص به
وهنا تظهر مفارقة تحتاج إلى دراسة.
من جهة، نحدد أعداد القبول داخل الأردن باعلان المحافظة على النوعية والطاقة الاستيعابية.
ومن جهة أخرى، نجد طلبة أردنيين يبحثون عن مقاعد طب وطب أسنان وصيدلة وهندسة وحقوق خارج الأردن.
ثم نرى مكاتب وإعلانات تشجع الطلبة على الدراسة خارج البلاد
.
فهل المشكلة في عدد المقاعد أم في طريقة إدارة الطلب على التعليم؟
إذا كان الطالب الأردني يريد دراسة الطب، ولم يجد مقعداً داخل الأردن، فمن الطبيعي أن يبحث عن المقعد في دولة أخرى إذا كانت أسرته قادرة على ذلك.
وقد يصل الأمر إلى إنفاق مبالغ كبيرة، وتحويل أموال إلى الخارج، وتحمل الأسر للقروض والديون، بل إن بعض الأسر قد تضطر إلى بيع أرض أو أصل من أصولها حتى تضمن تعليم أبنائها.
وهذه ليست مسألة مالية فقط.
فخروج أعداد كبيرة من الطلبة إلى الخارج يعني أيضاً تحديات اجتماعية وثقافية وأكاديمية، وقد يتعرض بعض الطلبة لظروف سياسية أو اجتماعية في الدول التي يدرسون فيها.
الأردني لا يزال يريد الطب
علينا أن نواجه الحقيقة كما هي:
الإقبال على الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة والحقوق ما زال مرتفعاً، وسيبقى مرتفعاً.
وليس من الواقعي أن نتوقع أن يتوقف الأب الأردني عن محاولة تعليم ابنه الطب لمجرد أن مسؤؤلا قال إن السوق لا يحتاج إلى مزيد من الأطباء.
الأسر الأردنية تنظر إلى التعليم باعتباره استثماراً في مستقبل أبنائها.
والطالب الذي يحصل على معدل مرتفع سيظل يحلم بأن يصبح طبيباً أو مهندساً أو صيدلانياً أو محامياً.
لذلك فإن الحل ليس فقط في تقليل المقاعد.
الحل ليس المنع.. الحل في التوجيه والإقناع
نحن بحاجة إلى توجيه مهني وطني حقيقي يبدأ قبل المرحلة الثانوية، وليس بعد إعلان نتائج التوجيهي.
يجب أن يعرف الطالب:
كم عدد الأطباء الذين يحتاجهم الأردن؟
كم عدد الخريجين المتوقع خلال عشر سنوات؟
ما التخصصات الطبية التي يحتاجها العالم؟
ما التخصصات التي يوجد فيها نقص؟
ما تكلفة دراسة كل تخصص؟
ما فرص العمل داخل الأردن وخارجه؟
ما اللغات المطلوبة؟
ما الجامعات المعترف بها دولياً؟
وما الامتحانات الدولية التي يحتاجها الخريج؟
وعندما يرى الطالب هذه المعلومات أمامه، يستطيع أن يقرر
.
الإقناع أقوى من المنع، والمعلومة أقوى من القرار الإداري.
لماذا لا ننتقل من "تخفيض الأعداد" إلى "رفع كفاءة الخريج"؟
العالم لا يتوقف عن الحاجة إلى الأطباء.
لكن العالم يريد طبيباً بمواصفات جديدة:
طبيباً متمكناً من الإنجليزية ولغات عالميه ، قادراً على استخدام التكنولوجيا، متقناً للبحث العلمي، قادراً على العمل في بيئات متعددة الثقافات، ويمتلك مهارات سريرية متقدمة.
وهنا يمكن للأردن أن يحول التحدي إلى فرصة.
بدلاً من أن نقول للطالب:
لا تدرس الطب.
يمكن أن نقول له:
ادرس الطب، ولكن اعرف أين ستعمل، وما المهارات التي تحتاج إليها، وما المستوى العالمي المطلوب منك.
وإذا كان العالم يحتاج أطباء أكفاء، فلماذا لا يكون الأردن دولة تُصدّر الكفاءة الطبية بدلاً من أن تكون دولة تُصدّر الطلبة؟
أموال الأردنيين في الخارج قضية وطنية
قرار رفع أعداد القبول الأخير ذكر صراحة أن من أهدافه الحد من دراسة الأردنيين للتخصصات الطبية خارج الأردن، والحفاظ على الموارد المالية التي ينفقها الطلبة في الخارج.
وهذا توجه يستحق النقاش والتأييد من حيث المبدأ.
لكن معالجة خروج الأموال لا تكون فقط بزيادة المقاعد.
بل تحتاج إلى بناء منظومة تعليم طبي تنافسية تجعل الطالب والأسرة يفضلون الجامعات الأردنية لأنهم يثقون بجودة التعليم، وليس فقط لأن المقعد أصبح متاحاً.
نحتاج إلى خطة وطنية واضحة
إن الزيادة من 640 إلى 840، ومن 320 إلى 400، وزيادة الموازي، وزيادة 20 طالباً في كل تخصص في الجامعات الخاصة، كلها قرارات تستحق أن تُشرح للمجتمع بالأرقام والدراسات.
ونحن لا نعترض على زيادة القبول إذا كانت مدروسة علمياً، ومبنية على الطاقة الاستيعابية الحقيقية، وجودة التدريب السريري، وحاجات سوق العمل، وفرص العمل العالمية.
لكننا نطالب بأن تكون الصورة كاملة أمام المواطن.
ما حاجتنا من الأطباء بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر سنوات؟
كم عدد الخريجين المتوقع؟
كم عدد الأطباء العاملين في الأردن؟
كم عدد الأردنيين الذين يعملون خارج الأردن؟
وما حجم الطلب العالمي على الأطباء الأردنيين؟
عندها فقط نستطيع أن نقرر:
هل نحتاج إلى تخفيض الأعداد؟
أم المحافظة عليها؟
أم زيادتها؟
أم تغيير نوعية التخصصات؟
إن الأردن الذي نجح في بناء سمعة طيبة وتعليميه في التعليم الطبي قادر على أن ينتقل من سياسة "كم نقبل؟" إلى سياسة أكثر طموحاً:
"ماذا نُخرج؟ وأين سيعمل؟ وكيف نجعل خريجنا مطلوباً في الأردن والعالم؟"
فالتعليم الطبي ليس مجرد مقعد جامعي.
إنه استثمار في الإنسان، واستثمار في الاقتصاد، واستثمار في سمعة الأردن.
ولذلك فإن المحافظة النوعية الحقيقية لا تكون بإغلاق الأبواب أمام الطموح، وإنما ببناء طبيب أردني عالي الكفاءة يستطيع أن يفتح له العالم أبوابه فالجامعات الاردنيه استوعبت أعدادا كبيره قبل سنوات في تخصصات الطب وطب الأسنان توجيهي المسارات قد يزيد اعداد الطلبه وكذلك طلبة التوجيهي وهذا يزيد من التحويلات للخارج ويشكل أيضا اثرا اجتماعيا
الاردن قصة نجاح وإنجازات في كافة الميادين وخاصة في التعليم وكان التوجيهي الاردني العلمي والأدبي والمهني عبر ٦٣ عاما مقالا للاستقرار والاعتراف الدولي والسمعه الدوليه في امتحان قوي وسمعه واستقرار الأهل ومعرفة الأسرة الاردنيه لدورها دون تذمر بل ثقه فيه
ونأمل أن يعود كما كان التوجيهي العلمي والأدبي والمهني ونركز على تطوير البنى التحتية والخدمات وبناء المدارس وتدريب المعلمين والمناهج وصيانة المدارس وتخفيض عدد الطلبه في الشعب والاعتماد الطلبه على التعليم الوجاهي والتخلص من نظام الفترتين والمدارس المستأجره
والتوجيه والاقناع والقدوه نحو التعليم التطبيقي المهني من صفوف الروضه وتطوير وسائل الإقناع والتوجيه الذاتي عبر الاذاعه المدرسيه والنشاطات والتفاعل مع المجتمع
وترسيخ حرية التعليم والتخصص الذي يختاره الطالب بعد تقديم المعلومات للجميع وأسواق التخصصات في الداخل والخارج
وتتحمل الاسره نتيجة قرارها والتوجيه والاقناع والقدوه هو اساس التطوير والتحديث في التعليم واي وسائل أخرى دون تغيير تفكير مجتمعي حتما سواجه صعوبات كثيره فالموضوع يحتاج إلى الاستماع الى الناس والرأي الاخر دائما واي قرار يجب أن يكون مدروسا بعنايه ودراسة نقاط القوة والضعف وردة الفعل قبل اتخاذه وعند اتخاذه فإن حصلت ردة فعل سلبيه فالقوه أن تعود عنه فورا لأن أي قرار يصطدم برفض مجتمعي لا يمكن أن يستمر وان ينجح لانه موجه للناس وإذا رفضه الناس يصبح من الخطر الاستمرار فيه ؟
فأي قرار عالميا في قطاع عام أو خاص
عند تطبيقيه قد تظهر ردود فعل سلبيه وغير مقبول شعبيا
فيتم التراجع عنه وتجميده أو الغائه بسرعه ودقه
والتراجع عن أي قرار مثير وغير مقبول شعبيا لا يعني ضعفا بل قوة بدلا من قرارات متلاحقه عند ردة فعل شعبيه
لانه يحمي أي مؤسسه في قطاع عام وخاص عالميا ويحمي تماسك اي جبهه داخليه في العالم من عدم التذمر والقلق والخوف والذي قد يستغل من قوى ظلاميه اقصائيه أو من منافسين
للحديث بقيه
مصطفى محمد عيروط