"علاقة ضبابية".. ما موقع الشباب داخل الأحزاب؟
غادة الشيخ
-عزوف مرده ضعف الثقافة السياسية وانخفاض الثقة بالأحزاب
عمّان - على مدى السنوات الأخيرة، تصدّر الشباب خطاب التحديث السياسي في الأردن، باعتبارهم قوة أساسية في إعادة تشكيل الحياة السياسية والحزبية، فيما فتحت التشريعات الجديدة أمامهم مساحات أوسع للانتساب إلى الأحزاب والمشاركة في الانتخابات والوصول إلى مواقع صنع القرار.
وينص قانون الأحزاب السياسية على ألا تقل نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما عن 20 % من عدد مؤسسي الحزب، في خطوة هدفت إلى ضمان وجود الشباب منذ المراحل الأولى لتأسيس الأحزاب.
وترافق ذلك مع تخفيض سن الترشح لمجلس النواب إلى 25 عاما، إلى جانب تخصيص دائرة انتخابية وطنية من 41 مقعدا للأحزاب، من أصل 138 مقعدا في مجلس النواب العشرين، على أن ترتفع حصة الأحزاب تدريجيا في المجالس اللاحقة.
وبينما أصبح تمكين الشباب عنوانا ثابتا في خطاب التحديث السياسي، فإن التحدي الحقيقي بات في قياس ما تحقق على أرض الواقع.
وبحسب دراسة حديثة لمركز الدراسات الإستراتيجية حول "الشباب الأردني والعمل الحزبي: تحديات الإدماج وجدلية التمثيل"، بلغ عدد منتسبي الأحزاب السياسية من فئة الشباب 34,072 شابا وشابة، من أصل 92,375 حزبيا، أي ما يقارب 36.9 %.
ووفق الدراسة، فإن العلاقة بين الشباب والأحزاب ما تزال ضبابية ومعقدة، في ظل شعور لدى بعض الشباب بأن الأحزاب لا تتعامل مع قضاياهم وتطلعاتهم إلا بالقدر الذي يخدم أهدافا انتخابية أو إعلامية، الأمر الذي قد يعمق الفجوة بين الطرفين.
وربطت الدراسة ضعف المشاركة بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، من بينها ضعف الثقافة السياسية، وانخفاض الثقة بالأحزاب، وشعور بعض الشباب بأن مشاركتهم لن تغير الواقع القائم.
الشباب وطبيعة الدور
في هذا الصدد، يرى الطالب في جامعة آل البيت، يحيى أبو الروس، بحسب حديثه لـ"الغد"، أن المشكلة ليست في غياب الدعوات إلى الشباب للانضمام إلى الأحزاب، وإنما في طبيعة الدور الذي يُمنح لهم بعد ذلك.
وقال أبو الروس: "كل شاب أردني يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن أفكاره يمكن أن تتحول إلى مواقف وبرامج، لا أن يقتصر حضوره على الفعاليات والأنشطة"، معتبرا أن جزءا من عزوف الشباب عن العمل الحزبي يرتبط بصورة الأحزاب لدى هذه الفئة.
وأوضح أن بعض الشباب ما يزالون ينظرون إليها باعتبارها أطرا تقودها شخصيات أكبر سنا، ولا يجدون مسارا واضحا يوضح لهم كيفية الانتقال من العضوية إلى مواقع المسؤولية والقيادة.
وأكد أبو الروس أن المطلوب من الأحزاب في المرحلة المقبلة هو التعامل مع الشباب باعتبارهم شركاء في صياغة البرامج والمواقف، وليس مجرد كتلة عضوية أو انتخابية، خصوصا أن التشريعات الجديدة وفرت لهم مساحة أوسع للمشاركة.
وتتفق هذه الملاحظات مع ما خلصت إليه ورقة سياسات صدرت مؤخرا حول تسهيل وصول الشباب الأردني إلى المناصب القيادية في الأحزاب السياسية، والتي أشارت إلى وجود قصور في عدد من الأنظمة الداخلية للأحزاب في توفير بيئة داعمة وجاذبة للشباب، إلى جانب ضعف البرامج التي تعمل على تطوير قدراتهم وتأهيلهم للوصول إلى مواقع قيادية.
وأكدت الورقة الحاجة إلى توفير بيئة أكثر أمانا ودعما للشباب، وتطوير قدراتهم الفنية والسياسية، بدلا من الاكتفاء بوجودهم العددي داخل التنظيمات الحزبية، معتبرة أن زيادة أعداد المنتسبين لا تعني بالضرورة نجاح عملية التمكين، ما لم تترافق مع ارتفاع في عدد الشباب الذين يصلون إلى مواقع القرار، ويشاركون في صياغة السياسات والبرامج، ويمتلكون القدرة على المنافسة داخل أحزابهم.
وأوصت بتوفير مساقات وبرامج تدريبية متخصصة في المشاركة السياسية والعمل الحزبي، وتطوير أدوات العمل الحزبي بما يوفر بيئة أكثر دعما للشباب، وتمكينهم من الوصول إلى المناصب القيادية.
من التلقين إلى الفعل
أما عضو المكتب السياسي لحزب "مبادرة"، الدكتور فارس الصمادي، فأكد أن الشباب بحاجة إلى أن يروا نتائج ملموسة لمشاركتهم، وأن يجدوا داخل الأحزاب مساحات للتعبير عن أفكارهم وممارسة أدوار حقيقية، مشيرا إلى أن الانتقال من حالة المتلقي إلى حالة الفاعل السياسي يتطلب منح الشباب مسؤوليات وفرصا متدرجة تسمح لهم باكتساب الخبرة والوصول إلى مواقع التأثير.
وأشار الصمادي إلى أن أحد أهم عناصر نجاح التجربة الحزبية يتمثل في تغيير الصورة النمطية عن العمل السياسي لدى الشباب، من خلال تقديم الأحزاب نفسها بوصفها أدوات للعمل البرامجي وحل المشكلات، وليس مجرد أطر انتخابية تظهر في مواسم الاستحقاقات.
بدورها، ترى الناشطة وطالبة الدكتوراة في العلوم السياسية، رشا الضامن، أن المشاركة الحقيقية تبدأ عندما ينتقل الشاب من مقعد العضو إلى موقع المسؤول، ومن المشاركة في الفعالية إلى المشاركة في صياغة الموقف، ومن الظهور في الحملات الانتخابية إلى المساهمة في تحديد سياسات الحزب وأولوياته.
واعتبرت أن نجاح مسار التحديث السياسي لن يُقاس فقط بعدد الأحزاب المسجلة أو أعداد الشباب المنتسبين إليها، وإنما بمدى قدرة هذه الأحزاب على إنتاج قيادات شابة تمتلك مشروعا سياسيا، وتشارك في صناعة القرار، وتستطيع أن تمثل جيلها داخل المؤسسات السياسية.
وختمت بقولها: "بين خطاب رسمي يضع الشباب في قلب مشروع التحديث، وتشريعات فتحت لهم أبواب المشاركة، وواقع حزبي ما يزال يواجه تحديات في تحويل هذه المشاركة إلى نفوذ، تبقى الفجوة قائمة، وهي الفجوة التي سيكون على الأحزاب أن تثبت قدرتها على ردمها خلال المرحلة المقبلة".
ــ الغد