العقبة تعزز جاهزيتها الاستباقية لمواجهة السيول وتطور منظومة المنشآت المائية
أحمد الرواشدة
العقبة- تعزز مدينة العقبة استعداداتها لمواجهة مخاطر مياه الأمطار والسيول، من خلال تنفيذ أعمال لصيانة وتأهيل المنشآت المائية وحماية الطرق ومعالجة النقاط الأكثر عرضة لتجمع المياه والسيول، في ظل طبيعة المدينة الجغرافية المحاطة بالمرتفعات الجبلية وما تفرضه من تحديات على البنية التحتية، خصوصا خلال فصل الشتاء.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن خطة تستهدف رفع جاهزية البنية التحتية وتحسين قدرتها على استيعاب التدفقات المائية المفاجئة، والحد من مخاطر الانجرافات والانقطاعات، بما يحافظ على سلامة السكان واستمرارية الحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية في المدينة.
وفيما تتسارع وتيرة التحولات المناخية في المنطقة، تزداد معها سرعة تشكل مياه الأمطار وتتكاثف معها احتمالات اندفاع السيول عبر مسارات جبلية تتجه نحو قلب مدينة العقبة ومحيطها الحضري، وهو ما جعل ملف الاستعداد المبكر لا يقل أهمية عن الاستجابة أثناء الطوارئ نفسها.
وباتت الحاجة ماسة إلى مقاربة هندسية وإدارية تجمع بين الوقاية والتأهيل وتقديم حلول قبل أن تتحول النقاط الساخنة إلى أزمات تعطل حركة الحياة وتؤثر في سلامة السكان وتعصف بالاستثمارات.
وفي مدينة تعد رئة اقتصادية وسياحية وبوابة بحرية حيوية، فإن إدارة المخاطر تقاس بقدرة البنية التحتية على الصمود واستيعاب الأحمال المائية في كل عام، مهما تغيرت شدتها وتبدلت مفاجآتها.
وبحسب مفوض البنية التحتية في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة المهندس المعتصم الهنداوي، فإن السلطة تعمل بتناغم مع كافة الجهات المعنية لبلورة خطة طوارئ سنوية شاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للصيانة لتصل إلى مستوى التأهيل الشامل للبنية التحتية ومعالجة النقاط الساخنة بأسلوب هندسي متطور قبل حلول فصل الشتاء وتداعياته المحتملة.
تشكيل درع حصين
وتهدف هذه الخطة في مقامها الأول إلى تشكيل درع حصين يحمي جوهرة البحر الأحمر من التدفقات المفاجئة للسيول وتجمعات مياه الأمطار التي طالما شكلت تحديا جغرافيا، نظرا لطبيعة العقبة المحاطة بسلسلة من المرتفعات الجبلية الشاهقة التي تنحدر مياهها بقوة نحو المناطق الساحلية والسكنية، مما يتطلب هندسة وقائية فائقة الدقة.
وأنهت وزارة الأشغال العامة والإسكان، من خلال ذراعها الميداني مديرية أشغال محافظة العقبة، تنفيذ أعمال عطاءين حيويين لصيانة وإنشاء منظومة متكاملة من المنشآت المائية وحمايات الطرق الإستراتيجية لمعالجة جذور المشكلة في عدد من النقاط الساخنة والمفصلية في المحافظة.
وبين مدير أشغال محافظة العقبة المهندس محمد الكساسبة أن هذا الإنجاز جاء بتمويل من مجلس محافظة العقبة ليؤكد على أهمية اللامركزية في توجيه الموارد المالية نحو الأولويات التنموية الملحة التي تمس سلامة المواطنين وديمومة الحركة الاقتصادية والتجارية في منطقة تعج بالاستثمارات وتعد شريانا رئيسا لسلاسل التوريد المحلية والإقليمية.
وأشار إلى أن الوزارة تنفذ أعمالا لصيانة وإنشاء المنشآت المائية وحماية الطرق في المواقع الأكثر عرضة لتجمع مياه الأمطار والسيول، بهدف رفع كفاءة البنية التحتية وتعزيز السلامة العامة والحد من مخاطر الانجرافات والانقطاعات.
وأوضح الكساسبة أن المرحلة الأولى شملت أعمالا في مواقع إستراتيجية بوادي عربة ومدخل مدينة العقبة وقصبتها، بقيمة بلغت نحو 209 آلاف دينار، وبمدة تنفيذ بلغت 120 يوما، فيما تضمنت المرحلة الثانية أعمال صيانة وإنشاء للمنشآت المائية وحمايات الطرق بقيمة نحو 49.5 ألف دينار، وبمدة تنفيذ 45 يوما.
وقال إن أعمال المرحلة الثانية شملت توسيع القدرة الاستيعابية لأحد المصدات المائية من خلال قطع نحو 10 آلاف متر مكعب من المواد، إلى جانب أعمال الردم والتدعيم بالخرسانة المسلحة بكمية بلغت نحو 400 متر مكعب، وصيانة وتأهيل أعمال الربراب القائمة بمساحة تقارب 300 متر مربع.
كما أكد الكساسبة أن هذه الأعمال تأتي ضمن خطة الوزارة لمعالجة المواقع الأكثر تأثرا بمياه الأمطار والسيول، ورفع جاهزية شبكة الطرق والمنشآت المائية، بما يضمن استدامتها ويعزز مستويات السلامة في محافظة العقبة.
الفكر الإداري والهندسي
من جهته، يؤكد الخبير في إدارة البنى التحتية المهندس طارق حجازي أن هذه الخطوات الاستباقية تمثل نقلة نوعية في الفكر الإداري والهندسي الأردني، حيث لم نعد ننتظر الكارثة لنتعامل مع نتائجها، بل نبادر إلى تحصين شرايين المدينة ومفاصلها الحيوية لترويض الطبيعة وتوجيه طاقاتها بما لا يضر بالمنشآت.
وبين أن تأمين البنية التحتية في العقبة صمام أمان لتدفق الاستثمارات الأجنبية والمحلية، فرأس المال يبحث دائما عن البيئة الآمنة والمستقرة التي لا تعطلها الظروف الجوية أو الكوارث الطبيعية، مشيرا إلى أن المتأمل في الجغرافيا المعقدة لمدينة العقبة يدرك تماما حجم التحدي الذي تواجهه الكوادر الهندسية، فالجبال تشكل في مواسم الشتاء مسارات انزلاقية سريعة للمياه المتجمعة، مما يحتم بناء سدود إعاقية ومصدات مائية ذات مواصفات قياسية قادرة على ترويض هذه الطبيعة القاسية.
ووفق المواطن محمود الكباريتي، فإن سكان العقبة، وبعد مشاريع البنية التحتية الخاصة بتصريف مياه الأمطار وحماية المدينة من خطر السيول والفيضانات، يشعرون اليوم بطمأنينة غير مسبوقة، مشيرا إلى أن هذه التدخلات الهندسية الاستباقية رسالة واضحة لكل المتعاملين مع القطاع اللوجستي والسياحي في العقبة بأن المدينة تقف على أرض صلبة، وأن بنيتها التحتية تخضع لعمليات تقييم وتطوير مستمرة تواكب أحدث المعايير العالمية في مجال التكيف مع التغيرات المناخية التي باتت تفرض ظواهر جوية متطرفة وغير مسبوقة في شدتها.
إلى ذلك، قال عضو غرفة تجارة العقبة أحمد سالم الكسواني إنه لا يمكن إغفال الأثر الإيجابي الكبير لهذه المشاريع على تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية خلال فترة التنفيذ، حيث وفرت هذه العطاءات فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للعديد من أبناء المجتمع المحلي وحركت قطاعات المقاولات وتوريد المواد الإنشائية، مما يعكس البعد التنموي الشامل لمثل هذه المشاريع الحيوية، مشيرا إلى أن الاستثمار في درء المخاطر هو الاستثمار الأنجح في العرف الاقتصادي الحديث، وكل دينار ينفق اليوم على تعزيز المصدات المائية وصيانة قنوات التصريف يوفر آلاف الدنانير التي قد تضيع في معالجة الأضرار وإعادة البناء، فضلًا عن القيمة التي لا تقدر بثمن والمتمثلة في الحفاظ على الأرواح والسلامة العامة للمجتمع.
ــ الغد