اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

معتز عبدالقادر عساف : رؤية تحليلية لتحديث القطاع العام: من برنامج حكومي إلى مشروع دولة

معتز عبدالقادر عساف : رؤية تحليلية لتحديث القطاع العام: من برنامج حكومي إلى مشروع دولة
أخبارنا :  

* الجزء الخامس: من قياس الأداء إلى المساءلة: من يملك النتيجة؟


في الأجزاء الأربعة السابقة، تناولت البرنامج التنفيذي الثاني، والمؤشرات الدولية، والعلاقة بين الأهداف والمؤشرات والمشاريع والموارد، وصولاً إلى المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام (PSI) كأداة لقياس التقدم في مسار التحديث.


وفي هذا الجزء، قبل الأخير، أنتقل إلى الحوكمة والمساءلة واستخدام نتائج القياس في إدارة الإصلاح، بما يعزز وضوح المسؤوليات، ومتابعة النتائج، والتعامل مع الانحرافات، ودعم اتخاذ القرار.


الحوكمة موجودة، لكن السؤال هو: كيف تعمل؟


من الإيجابيات المهمة أن البرنامج طوّر إطار الحوكمة ليصبح أكثر وضوحاً وتكاملاً، مع تحديد أدق للأدوار والمسؤوليات، كما اعتمد منظومة للمتابعة والتقييم تستند إلى مؤشرات أداء وأثر مرتبطة بمخرجات البرنامج وأهدافه الاستراتيجية لقياس التحسن ودعم صنع القرار.


لكن التحدي هو: كيف تتحول هذه الأطر إلى ممارسة فعلية للمساءلة وإدارة الأداء؟


من المسؤول عن النتيجة؟ الحوكمة بين المركز والتنفيذ


قد تشترك عدة جهات في تحقيق نتيجة واحدة، لذلك فإن تحديد الجهة المنفذة للمشروع لا يعني بالضرورة تحديد المسؤولية عن النتيجة، خصوصاً في برنامج وطني ينفذ عبر جهات متعددة.


وهنا تبرز أهمية التمييز بين مؤشرات النتائج (Lagging Indicators) التي تقيس ما تحقق، والمؤشرات القائدة (Leading Indicators) التي تتابع التدخلات والمشاريع المؤدية إلى تلك النتائج.


وبذلك يمكن أن تتولى الجهات المعنية على المستوى المركزي متابعة النتائج الوطنية، بينما تتدرج المؤشرات القائدة (Cascading) إلى الوزارات والجهات التنفيذية، بحيث تتحمل كل جهة مسؤولية المؤشرات والتدخلات الواقعة ضمن نطاق تأثيرها.


وهذا يوضح العلاقة بين النتيجة الوطنية والمسؤوليات التنفيذية، وينقل المتابعة من قياس الأنشطة إلى المساءلة عن النتائج وما يقود إليها.


المساءلة تبدأ عندما يظهر الانحراف


تظهر قوة نظام المتابعة ليس فقط عندما تتحسن النتائج، وإنما أيضاً عند ظهور الانحرافات عن المستهدفات. فالمتابعة الموضوعية لا تفترض أن جميع النتائج ستكون إيجابية دائماً، إذ قد تكشف القياسات عن تأخر في التنفيذ، أو نقص في الموارد، أو ضعف في التصميم، أو تغير في الظروف، أو عدم كفاية التدخل.


وفي المقابل، فإن تحقيق جميع المستهدفات بصورة إيجابية ومستقرة ليس بالضرورة دليلاً على نجاح كامل، فقد يكون مؤشراً على أن المستهدفات نفسها لم تكن طموحة بما يكفي.


ومن هنا تتحول المتابعة من مجرد عرض للنتائج إلى أداة لإدارة الأداء وتصحيح المسار، من خلال تحليل الانحرافات، ومراجعة مدى واقعية وطموح المستهدفات، وتحديد الإجراءات التصحيحية والمسؤوليات، ومتابعة أثرها.


من التقارير إلى اتخاذ القرار


التحدي الحقيقي ليس توفر نتائج القياس، وإنما استخدامها فعلياً في اتخاذ القرار من حيث إعادة ترتيب الأولويات، أو تعديل المشاريع والتدخلات، أو مراجعة الموارد، أو تصعيد القضايا التي تتطلب قراراً أعلى.


فـقيمة المؤشر لا تكمن في الرقم الذي يظهر في لوحة المتابعة، وإنما في القرار الذي يُتخذ بناءً عليه.


من إدارة البرنامج إلى إدارة الإصلاح


لا ينبغي أن تهدف الحوكمة إلى إضافة مستويات من المتابعة والتقارير، وإنما إلى ضمان سير الإصلاح في الاتجاه الصحيح، ووضوح المسؤولية عن النتائج، ومعالجة الانحرافات في الوقت المناسب.


وقد وضع البرنامج إطاراً أكثر تفصيلاً للحوكمة والمتابعة وربطها بمؤشرات الأداء والأثر، وهي نقاط قوة مهمة. لكن النجاح الفعلي سيظهر في مدى تحول هذه الأطر إلى ممارسة مستمرة لإدارة الأداء والمساءلة واتخاذ القرار.


وهنا نصل إلى السؤال الذي يقودنا إلى الجزء السادس والأخير:


كيف نضمن استمرار الإصلاح وتراكم نتائجه، دون أن يتوقف أثره بانتهاء البرنامج التنفيذي أو تغير الحكومات والأولويات؟


فـنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بإنجاز ما خُطط له، وإنما بقدرته على الاستمرار وتحقيق أثر مستدام.




مواضيع قد تهمك