اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د.علي سليم الحموري : المفقودون وأسرهم .. الحق في الحقيقة ومسؤولية العدالة

د.علي سليم الحموري : المفقودون وأسرهم .. الحق في الحقيقة ومسؤولية العدالة
أخبارنا :  

حين يُفقد إنسان، تبقى أسرته معلّقة بين رجاء عودته والخوف من مصيره. تمر الأيام، وتتغير تفاصيل الحياة، فيما يظل سؤال واحد حاضراً: أين هو؟ وفي لوحة تحمل شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تجلس امرأة إلى جوار هيئة شفافة لشخص غائب، تحيط بها أمتعة الرحيل ونظرات طفل مثقلة بالانتظار. تختصر الصورة حضور المفقود في وجدان أسرته، وثقل غيابه عن حياتها.


وفي الثلاثين من آب من كل عام، تُحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري. وتتسع الرسالة الإنسانية التي تحملها مواد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتشمل أسر الأشخاص الذين فُقدوا نتيجة النزاعات أو الهجرة أو الكوارث، مؤكدة أنهم غير منسيين، وأن عائلاتهم تستحق المساندة في البحث عن الإجابات. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين النطاق الإنساني الواسع لقضية المفقودين والتوصيف القانوني المحدد للاختفاء القسري.


ويكتسب الاهتمام بهذه القضية بُعداً إضافياً مع تخصيص التاسع عشر من كانون الأول يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (80/301) وهو اعتراف بدور نساء حملن صور أحبائهن وملفاتهم، وتابعن البحث عنهم، وأبقين قضاياهم حاضرة رغم مرور السنوات.


غير أن القيمة العملية لهذا التكريم تتوقف على ما يتيحه من حماية ودعم ومشاركة، فالنساء الباحثات عن المفقودين يحتجن إلى معلومات موثوقة، ومساعدة قانونية، وإجراءات واضحة لمتابعة ملفات أحبائهن، وينبغي أن يقترن الاعتراف بجهودهن بتخفيف الأعباء الواقعة عليهن، وتعزيز قدرة المؤسسات المختصة على أداء واجباتها.


ومن الناحية القانونية، لا يُعدّ كل فقدان اختفاءً قسرياً،فوفق المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، يتحقق هذا الوصف عندما يُحرم شخص من حريته على يد موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات تعمل بإذنها أو دعمها أو موافقتها، ثم يُنكر احتجازه أو يُخفى مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون،أما فقدان الأشخاص في النزاعات أو أثناء الهجرة أو الكوارث، فلا يكفي وحده لإثبات توافر هذه العناصر.


وتقر المادة الرابعة والعشرون من الاتفاقية بحق الضحايا في معرفة الحقيقة بشأن ظروف الاختفاء القسري، وسير التحقيق ونتائجه، ومصير الشخص المختفي. ويشمل مفهوم الضحية الشخص المختفي وكل من لحق به ضرر مباشر من الاختفاء. وتُلزم الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة للبحث عن المختفين، وتحديد أماكن وجودهم، والإفراج عنهم؛ وفي حال الوفاة، تحديد أماكن الرفات واحترامها وإعادتها.


وفي النزاعات المسلحة، يتعين على أطراف النزاع اتخاذ جميع التدابير الممكنة للكشف عن مصير الأشخاص الذين أُبلغ عن فقدانهم بسبب النزاع، وتزويد أسرهم بما لديها من معلومات عن مصيرهم. ولذلك، فإن تعذّر الوصول إلى إجابة لا يعفي من اتخاذ التدابير الواجبة ومواصلة الجهود الجادة.


وتقتضي الاستجابة الفعالة آليات بحث مؤهلة تتوافر لها الموارد والصلاحيات، مع حفظ السجلات والأدلة، والاستفادة من الطب الشرعي، وصون البيانات الشخصية وكرامة المفقودين وأسرهم. كما ينبغي إشراك العائلات في الإجراءات التي تمسها، وإطلاعها على المستجدات، وحمايتها من التهديد والابتزاز واستغلال حاجتها إلى أي خبر عن أحبائها.


وتحتاج الأسر كذلك إلى دعم نفسي واجتماعي، ومعالجة قانونية للمشكلات المتعلقة بالإعالة والوثائق وإدارة الممتلكات، بما يصون حقوق الغائب وأسرته. ويجب ألا يؤدي تنظيم هذه المسائل إلى إغلاق ملف البحث أو التعامل مع مصير المفقود باعتباره محسوماً دون أساس كافٍ.


وفي الأردن، تبذل بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهوداً حثيثة لمساندة أسر المفقودين، من خلال تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمعنوي، والمساعدة في مواجهة التحديات القانونية المرتبطة بغياب أحبائها، كما تنظّم نشاطاً سنوياً يجمع عائلات المفقودين، ويتيح لها تبادل التجارب والتعبير عن احتياجاتها، بما يعزّز التضامن بينها ويؤكد أن معاناتها تحظى بالاهتمام، وأنها ليست وحدها في رحلة البحث والانتظار.


إن رسالة «لستم وحدكم» تكتسب صدقيتها حين تجد الأسرة مؤسسة تستمع إليها، وإجراءً يحمي حقوقها، وبحثاً جاداً يتابع كل معلومة موثوقة، والتكريم الحقيقي للنساء الباحثات عن المفقودين يتحقق حين تصبح مطالبهن أولوية مستمرة؛ فمرور الزمن لا يسقط حق الضحايا في الحقيقة، ولا يعفي الجهات المختصة من التزاماتها.



مواضيع قد تهمك