د عصام جدوع العواملة : الخطر ليس أن يحدث التهجير غدًا .. بل أن يصبح ممكنًا
الخطر ليس أن يحدث التهجير غدًا... بل أن يصبح ممكنًا
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى أقرب إلى التحذير منها إلى التحليل، لكنها في السياسة تعني شيئًا أبعد من ذلك. فالأخطار الكبرى لا تبدأ يوم وقوعها، وإنما تبدأ عندما تتراكم الوقائع التي تجعلها، بعد أن كانت مستبعدة، قابلة للتصور والتنفيذ.
ولهذا فإن الخوف من الحقيقة ليس مبررًا لإخفائها؛ لأن المجتمع الذي لا يعرف حجم الخطر لا يستطيع أن يستعد له.
ما يجري في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة يجب أن يُقرأ بهذه الطريقة تحديدًا. فالوضع لم يعد مجرد توسع استيطاني جديد أو اعتداءات متفرقة من مستوطنين. لكننا بتنا نشاهد تسارعا في الاستيطان، ومصادرة لأراضي الفلسطينيين، وعنف متزايد، وتهجير فعلي لسكان فلسطينيين من مناطق مختلفة، وكل ذلك بالتزامن مع خطاب سياسي إسرائيلي أكثر تماديا في الحديث عن الضم ثم إعادة رسم الواقع الديموغرافي والجغرافي للضفة.
وفي الثامن من أيلول الحالي، اتخذت بريطانيا خطوة واضحة لا لبس فيها، حين أعلنت فرض حظر على استيراد جميع السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالإضافة إلى قيود وعقوبات تستهدف شركات وأفرادًا مرتبطين بالاستيطان. والأكثر أهمية من الإجراءات الاقتصادية نفسها أن وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند استخدم تعبير «التطهير العرقي» لوصف ما تتعرض له مناطق فلسطينية من تهجير على يد مستوطنين، وقال إن الحكومة البريطانية "باتت تعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني"، انسجامًا مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
لم تكن بريطانيا وحدها.
في اليوم نفسه، أعلنت اثنتا عشرة دولة، منها فرنسا وإسبانيا وكندا والنرويج وإيرلندا والسويد، رفضها لما وصفته بتسارع الاستيطان والعنف الاستيطاني والإجراءات التي تقوض حل الدولتين، مؤكدة رفضها لأي خطوات ترقى إلى ضم الأراضي الفلسطينية أو التهجير القسري، مع توجه عدد من هذه الدول إلى فرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات.ونلاحظ هنا أن العالم الغربي لم يعد يتحدث بصوت واحد في طريقة تعامله مع إسرائيل.
ولكن هذا لا يعني أن هناك إجماعًا غربيًا على عزل إسرائيل، ولا يعني أن الولايات المتحدة ستتبنى الموقف البريطاني. فوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان واضحًا في أن واشنطن لن تفعل ما فعلته بريطانيا فيما يتعلق بالعقوبات التجارية المرتبطة بالضفة الغربية.
لكن وجود هذا الاختلاف نفسه مهم. فحتى داخل المعسكر الغربي الذي ظل لسنوات أكثر قدرة على حماية إسرائيل سياسيًا، بدأت تظهر حدود مختلفة للصبر وتصدعا في الالتفاف نحو مواقف اسرائيل، ومقاربات مختلفة تجاه الاستيطان والضم.
أما الرد الإسرائيلي على بريطانيا فلم يتأخر ولم يكن مجرد بيان احتجاج. فقد قررت إسرائيل حزمة إجراءات منها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس خلال ثلاثين يومًا، وسحب اعتماد دبلوماسيين بريطانيين، وإنهاء مشاركة بريطانيا في بعض ترتيبات التنسيق المتعلقة بغزة والضفة.
وهنا قد يرى البعض هذه التطورات باعتبارها مجرد أزمة دبلوماسية عابرة -وربما تكون كذلك في جزء منها- لكن الصورة الأوسع تقول إن العلاقة بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين تدخل مرحلة أكثر توترًا، في الوقت الذي يتزايد فيه الضغط الدولي على الاستيطان.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا من القفز إلى النتائج، لانه لا توجد، حتى الآن، واقعة تثبت أن إسرائيل قررت غدًا تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن. ولا توجد، بالمعنى السياسي الدقيق، قرينة كافية للقول إن قرارًا إسرائيليًا نهائيًا بهذا الاتجاه قد اتخذ.
لكن هذا لا يلغي السؤال الأخطر: ماذا لو أصبحت عملية التهجير ممكنة سياسيًا وأمنيًا على الأرض؟
فهذا السؤال ليس خيالًا سياسيًا.
فالتهجير لا يحتاج بالضرورة إلى قرار واحد معلن يحمل عنوان «التهجير». ببساطة يمكن أن يبدأ من خلق بيئة تجعل البقاء أكثر صعوبة: توسع استيطاني، عنف، مصادرة أراضٍ، هدم، تضييق اقتصادي، إخلاءات، وإجبار السكان على مغادرة مناطقهم بصورة تدريجية. وقد وثقت الأمم المتحدة بالفعل حالات تهجير قسري لسكان فلسطينيين من مخيمات في الضفة الغربية.
وتشير الوقائع على الأرض إلى توسع سريع في البؤر الاستيطانية غير المرخصة، وإلى مغادرة مئات الفلسطينيين، ولا سيما من المجتمعات البدوية، مناطق قريبة من بؤر استيطانية جديدة بسبب الاعتداءات والضغط المتزايد.
طبعا هذه وقائع فعلية على الارض وليست تنبؤات.
أما الربط بينها وبين احتمال تهجير أوسع، فهو قراءة سياسية يجب أن تبقى في إطار الاحتمال لا في إطار الخبر.
وهذا تحديدًا هو المكان الذي ينبغي أن يبدأ منه التفكير الأردني.
فالأردن ليس طرفًا في الصراع على الضفة الغربية بالمعنى الذي يجعل القضية قضية أردنية بدل أن تكون قضية فلسطينية أولًا. لكن الجغرافيا تجعل أي تغيير ديموغرافي كبير في الضفة الغربية مسألة تمس الأمن الوطني الأردني بصورة مباشرة.
المسافة بين الضفة الغربية والأردن ليست نظرية، والحدود ليست فكرة سياسية. وأي اضطراب ديموغرافي واسع على الجانب الآخر من نهر الأردن ستكون له، بحكم الجغرافيا والتاريخ والترابط الاجتماعي، تداعيات تتجاوز الأراضي الفلسطينية.
ولهذا لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو: «هل سيحدث التهجير؟»
السؤال الأكثر مسؤولية هو: ماذا سنفعل إذا بدأت الظروف التي تجعل التهجير ممكنًا تتشكل؟
وهناك فرق كبير بين السؤالين.
الأول ينتظر الحدث.
أما الثاني فيستعد له.
حتى التدريبات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في إيلات ووادي عربة تستحق أن تُقرأ بهدوء، لا بانفعال. فقد أجرت إسرائيل تدريبات واسعة تضمنت محاكاة عمليات تسلل مفاجئة من اتجاهات متعددة، بما في ذلك سيناريوهات تسلل من جهة الحدود الأردنية ومصر، والسيطرة على مواقع واحتجاز رهائن.
لكن من الخطأ تحويل هذه التدريبات إلى دليل على أن إسرائيل تتوقع هجومًا أردنيًا أو تستعد لحرب مع الأردن. هذا استنتاج لا توفر الوقائع الحالية أساسًا كافيًا له.
ما تثبته التدريبات هو شيء أبسط، لكنه مهم: إسرائيل باتت تتعامل مع سيناريوهات الاختراق والهجمات متعددة الاتجاهات بوصفها احتمالات يجب أن تكون مستعدة لها، بما في ذلك اتجاه الحدود الأردنية.
وهنا أيضًا ينبغي أن نفرق بين الاستعداد الإسرائيلي وبين النوايا الإسرائيلية.
فليست كل مناورة إعلانًا عن حرب قادمة، كما أن تجاهل دلالات المناورات ليس سياسة حكيمة.
والأمر نفسه ينطبق على الموقف الإماراتي. فالإمارات، رغم علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، أعلنت موقفًا واضحًا من مخططات الاستيطان والضم، واعتبرت خطة التوسع في منطقة E1 تصعيدًا خطيرًا يهدد التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ويقوض حل الدولتين.
وفي الداخل الإسرائيلي نفسه، تتزايد الانتقادات السياسية لحكومة بنيامين نتنياهو بسبب تدهور علاقات إسرائيل الخارجية وتنامي الضغوط والعقوبات. زعيم المعارضة يائير لابيد وصف سياسات الحكومة بأنها تقود إسرائيل إلى عزلة دبلوماسية غير مسبوقة. وهذا، بطبيعة الحال، موقف سياسي لمعارض إسرائيلي، لكنه يعكس في الوقت نفسه حجم القلق المتزايد داخل إسرائيل من كلفة المسار الحالي.
وهذه المعطيات لا تعطينا حق إعلان أن التهجير قادم.
لكنها تعطينا حقًا كاملًا في القول إن البيئة التي يمكن أن تنتج خطرًا من هذا النوع تتغير.
في السياسة، لا ينبغي للدول أن تبني قراراتها على أسوأ السيناريوهات وكأنها حقائق، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تتعامل مع السيناريوهات الخطرة وكأنها أوهام لمجرد أنها غير مؤكدة. فالدول العاقلة لا تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ في التفكير فيه. كما أن الاستعداد للخطر ليس دعوة إلى الحرب، كما أن تجاهل الخطر ليس دعوة إلى السلام.
بل إن أخطر ما يمكن فعله هو أن نضع أنفسنا أمام خيارين فقط: إما أن نصدق أن التهجير سيحدث، أو أن نرفض حتى التفكير فيه. هناك مساحة ثالثة أكثر عقلانية: أن نراقب الوقائع، ونقيس الاتجاهات، ونبني السيناريوهات، ونستعد لما يمكن الاستعداد له، من دون أن نحول الاحتمال إلى يقين. وهذا هو المطلوب أردنيًا.
وعي بارد بخطر ساخن.
أن تبقى الدبلوماسية حاضرة، وأن يبقى القانون الدولي حاضرًا، وأن يبقى الموقف الأردني الرافض لأي تهجير أو نقل قسري للفلسطينيين واضحًا وثابتًا. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون لدى الدولة تقدير هادئ ومدروس للسيناريوهات التي قد تنتج عن استمرار الضم والاستيطان وتغيير الواقع على الأرض. فإذا لم يقع شيء، يكون الاستعداد قد أدى وظيفته. وإذا وقع ما لا نريده، لا نكون قد بدأنا التفكير فيه من الصفر.
هناك من يرى أن الحديث عن هذه الاحتمالات قد يثير الخوف. لكن الخوف لا يأتي من الحديث عن الخطر فقط. أحيانًا يأتي الخوف الحقيقي من اكتشاف أننا لم نكن مستعدين له. نحن لسنا مطالبين بأن نصدق كل سيناريو مخيف، لكننا مطالبون بألا نرفض أي سيناريو خطير لمجرد أنه يخيفنا.
ولعل المفارقة التاريخية والأخلاقية معا هنا أن نتنياهو، الذي كتب في «مكان تحت الشمس» عن تاريخ اليهود وما تعرضوا له من اضطهاد واقتلاع، يمارس اليوم سياسات قد تدفع شعبًا آخر إلى المصير نفسه. فكيف لمن يعرف معنى الاقتلاع أن يمارسه على غيره؟ وكيف لمن يستحضر مظلومية شعبه أن يتجاهل مظلومية شعب آخر؟ فالظلم لا يصبح مقبولًا بتغير الضحية، ولا يصبح أقل قسوة لأن من يمارسه كان في يوم من الأيام ضحية له.
قد تنجح حكومة ما في فرض واقع جديد على الأرض بالقوة، وقد تكسب جولة أو حتى معركة. لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تضمن أن العالم سيقبل هذا الواقع إلى الأبد.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، وإنما أيضًا على معنى الأرض، وعلى شرعية ما يحدث فيها، وعلى قدرة المجتمع الدولي والدول المعنية على منع تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة. والأردن، بحكم موقعه، لا يستطيع أن يكون متفرجًا على هذه التحولات. لكنه أيضًا لا يحتاج إلى الذعر منها.
ما يحتاجه هو أن يراها كما هي، بلا تهوين ولا تهويل. فالمشكلة ليست أن نستيقظ غدًا فنجد التهجير قد حدث.
المشكلة أن نستيقظ يومًا فنكتشف أن سلسلة طويلة من الوقائع جعلته ممكنًا، وأننا كنا نملك الوقت لكي نستعد... لكننا أمضيناه في انتظار دليل نهائي على أن الخطر موجود.
الخطر ليس أن يحدث التهجير غدًا…
الخطر أن يصبح ممكنًا.
والأردن لا يحتاج إلى أن يخاف من المستقبل.
لكنه يحتاج، قبل كل شيء، إلى ألا يُفاجأ به.