اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. مصطفى محمد عيروط : رسالة إلى وزير التربية والتعليم: الاستماع للرأي الآخر قوةٌ لا تراجع

أ. د. مصطفى محمد عيروط : رسالة إلى وزير التربية والتعليم: الاستماع للرأي الآخر قوةٌ لا تراجع
أخبارنا :  

تابعت باهتمام حديث معالي وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور عزمي محافظة إلى قناة تلفزيونيه مساء الاثنين 7/9/2026 وقرأت عنها في قنوات التواصل الاجتماعي، وأدرك أن ما تطرحه وزارة التربية والتعليم يأتي في إطار محاولة تطوير منظومة التعليم الأردنية، والوصول بها إلى تعليم أكثر ارتباطاً بسوق العمل والتعليم التطبيقي والمهني.

وإذا أخطأت في فهم بعض ما طرحه معالي الوزير، فأنا أعتذر، وهدفي فتح باب الحوار حول قرارات تمس كل بيت أردني ومستقبل أبنائنا وبناتنا.

الشعب الأردني لا يستهين بتعليم أبنائه

معالي الوزير يعرف، أكثر من غيره، أن الشعب الأردني شعب مثقف ومتعلم، وأن الأسرة الأردنية مستعدة للتضحية بكل ما تملك من أجل تعليم أبنائها.

فالأردني قد يستدين، ويأخذ قرضاً، وقد يبيع أرضاً أو جزءاً من ممتلكاته، حتى يرى ابنه أو ابنته في الجامعة أو يحصل على تعليم يعتقد أنه يضمن لهما مستقبلاً أفضل.

ولهذا فإن أي قرار يتعلق بالتوجيهي أو المسارات أو القبول الجامعي لا يمكن النظر إليه باعتباره قراراً تعليمياً فنياً فقط، وإنما هو قرار اجتماعي واقتصادي ووطني يمس الأسرة الأردنية ومستقبلها.


عندما يشعر المواطن أن الطريق أمام ابنه أصبح ضيقاً... سيبحث عن طريق آخر


من الملاحظ، ومن خلال ما يُسمع في المجتمع، أن بعض الأسر والطلبة أصبحوا يبحثون عن مكاتب وخيارات للدراسة خارج الأردن، سواء للحصول على شهادة ثانوية أو لضمان مسار جامعي يعتقدون أنه سيكون أكثر أمناً لمستقبل أبنائهم.

وهنا يجب أن نتوقف.

فإذا أدت بعض الإجراءات إلى زيادة توجه الطلبة نحو الخارج، فإن القضية لا تعود مجرد انتقال طالب من مدرسة إلى أخرى، وإنما تصبح استنزافاً مالياً وتحويلات إضافية إلى الخارج، وفقداناً لجزء من الثقة بالمسار التعليمي الوطني.

كما أن إرسال طلبة صغار السن إلى بيئات تعليمية مختلفة يحتاج إلى دراسة اجتماعية وتربوية عميقة، خصوصاً فيما يتعلق بالبيئة الثقافية والأفكار التي قد يتعرضون لها.

والأخطر أن يتحول القلق على مستقبل الأبناء إلى تذمر من قرارات الحكومة أو من المسؤول عن التعليم.

وهذا ما يجب أن نمنعه بالحوار قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة.

هل تحديد 30% لكل حقل أكاديمي هو الحل؟

أحد أكثر الموضوعات التي تحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع هو تحديد نسبة 30% كحد أقصى لكل حقل أكاديمي في النظام الجديد للثانوية.

أنا هنا لا أرفض التطوير، ولا أرفض التوجيه نحو التعليم التطبيقي والمهني، بل على العكس؛ نحن جميعاً نريد تعليماً ينتج إنساناً قادراً على العمل والإنتاج والمنافسة.

لكن السؤال:

هل تحديد النسب هو الوسيلة الأفضل لتحقيق هذا الهدف؟

وهل أُجريت الدراسات الكافية حول الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية لهذا التحديد؟

وهل دُرست البدائل؟

وهل استُمع إلى الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والجامعات وأساتذة التربية والخبراء؟

وهل تم الاطلاع على التجارب الدولية ليس فقط في نتائجها، وإنما في كيفية انتقال تلك المجتمعات إلى التعليم التطبيقي والمهني؟

حرية الاختيار يجب أن تكون جزءاً من فلسفة التعليم

إن الأصل في التعليم هو توسيع الخيارات أمام الطالب، مع بناء منظومة قوية من التوجيه والإرشاد والتوعية.

فالطالب الذي يختار التعليم المهني أو التطبيقي لأنه اقتنع به، وشاهد نماذج ناجحة أمامه، وتوفرت له مدرسة مجهزة ومختبرات حديثة ومعلمون أكفاء وفرص عمل حقيقية، سيكون أكثر نجاحاً من طالب ذهب إليه لأنه لم يجد أمامه خياراً آخر.

الإقناع يصنع النجاح، أما الفرض فقد يصنع المقاومة.

وهذه قاعدة أعتقد أنها مهمة في نجاح أي إصلاح تربوي.

التوجيهي ليس مجرد امتحان... بل ثقة تراكمت عبر أجيال

لقد عرف الأردن امتحان الثانوية العامة، أو التوجيهي، على مدى عقود، وأصبح جزءاً من ثقافة المجتمع ونظامه التعليمي.

وقد مر التوجيهي بتطويرات متعددة، من الحقول إلى غيرها، وكان من الطبيعي أن تخضع هذه التجارب للتقييم والمراجعة.

لكن السؤال اليوم ليس: هل نريد التطوير؟

فالجواب نعم.

السؤال الحقيقي هو:

هل التطوير الحالي هو الطريق الأفضل لتحقيق أهدافنا؟

وإذا كان المجتمع يرى أن نظام التوجيهي العلمي والأدبي والمهني أكثر وضوحاً واستقراراً وقبولاً، فلماذا لا نستمع إلى هذا الرأي ونضعه على طاولة التقييم العلمي؟

ثلاث سنوات للتوجيهي... سؤال يحتاج إلى إجابة

كان التوجيهي في السابق يدور في إطار زمني معروف، ثم أصبح الحديث عن نظام السنتين، واليوم نسمع عن امتداده إلى ثلاث سنوات.

وهنا أتساءل، من باب البحث لا الاعتراض:

أين التجارب العالمية التي تعتمد امتحان ثانوية عامة بهذا الامتداد؟

وإذا كانت هناك تجارب مشابهة، فما نتائجها؟ وكيف تعاملت الأسر والطلبة معها؟ وما التكلفة النفسية والاقتصادية والإدارية لها؟

فكل سنة إضافية في حياة الطالب تعني وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية للأسرة، ولذلك لا بد أن يكون وراءها مبرر تربوي واضح ومدروس ومقنع للرأي العام.

التجارب العالمية لا تُنقل... بل تُوطّن

لا شك أن العالم يتجه بقوة نحو التعليم التطبيقي والمهني، وهذا توجه صحيح وضروري، لكن نجاح تجربة في دولة أخرى لا يعني بالضرورة نجاحها بالصورة نفسها في الأردن.

فالمجتمعات تختلف في ثقافتها، وسوق العمل فيها يختلف، والبنية الاقتصادية تختلف، ونظرة الأسر إلى التعليم تختلف.

ولهذا فإن الاستفادة من التجارب العالمية تكون بدراسة أسباب نجاحها ثم تكييفها مع المجتمع الأردني، وليس بنقل النموذج كما هو.

والتوجه الحقيقي نحو التعليم المهني والتطبيقي لا يبدأ في الصفوف النهائية فقط.

إنه يبدأ من رياض الأطفال، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن القدوة، ومن إظهار قصص النجاح، ومن تغيير الصورة النمطية عن التعليم المهني.

ماذا لو بدأنا بتطوير التعليم قبل تغيير التوجيهي؟

لو كنت وزيراً للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، وكان هدفي الاستراتيجي هو نقل الأردن بقوة نحو التعليم التطبيقي والمهني، لما بدأت بتغيير التوجيهي المعروف والمستقر اجتماعياً.

كنت سأبدأ من مكان آخر:

أطور المدارس.

أحدث المختبرات والورش.

أطور المناهج.

أرفع كفاءة المعلمين.

أدخل التكنولوجيا.

أوسع الإرشاد والتوجيه المهني.

أستعين بالقطاع الخاص.

أربط التعليم بسوق العمل.

وأقدم للطالب نماذج أردنية ناجحة في التعليم المهني والتطبيقي.

ثم أترك الطالب والأسرة يرون بأعينهم أن التعليم المهني ليس طريقاً ثانوياً، وإنما طريق حقيقي إلى وظيفة ودخل وابتكار وريادة أعمال.

عندها لن نحتاج إلى فرض النسب؛ لأن الطلبة أنفسهم سيختارون.

تجربة عام 2022 تستحق العودة إليها

ومن المفيد، في سياق مراجعة مسيرة الإصلاح، العودة إلى ما جرى عام 2022، عندما كان معالي الأستاذ الدكتور وجيه عويس وزيراً للتربية والتعليم، حيث قرر مجلس التربية والتعليم تأجيل توصيات اللجنة التي شكلها وزير التربية والتعليم الأسبق الأستاذ الدكتور محمد أبو قديس، والتي كان يرأسها الدكتور عزمي محافظة قبل أن يصبح وزيراً.

هذه التجربة التاريخية تستحق الدراسة والعودة إلى تفاصيلها، ليس بهدف محاسبة أحد، وإنما لمعرفة لماذا تتغير السياسات التعليمية؟ وما الذي يجعل قراراً يؤجل في مرحلة ثم يعود في مرحلة أخرى؟

فالتعليم يحتاج إلى تراكم مؤسسي، وليس إلى بدايات جديدة مع كل مرحلة.

يا معالي الوزير... الاستماع للرأي الآخر ليس تراجعاً

رسالتي إلى معالي الوزير الأستاذ الدكتور عزمي محافظة بكل احترام:

الاستماع للرأي الآخر ليس ضعفاً، ومراجعة القرار ليست تراجعاً، والاعتراف بإمكانية الخطأ ليس هزيمة.

بل إن المسؤول القوي هو الذي يستطيع أن يقول:

لقد استمعنا، ودرسنا، وقارنّا، ووجدنا أن هذا القرار يحتاج إلى تعديل.

الدول القوية لا تخشى مراجعة قراراتها، والمؤسسات الناجحة لا تعتبر النقد البناء عداءً لها.

والتعليم تحديداً لا يحتمل العناد؛ لأن الخطأ فيه لا يُقاس بيوم أو شهر، وإنما قد يمتد أثره إلى جيل كامل من الطلبة.

قبل القرار... نريد أن نعرف الدراسات

أعتقد أن من حق الرأي العام الأردني أن يطلع على الدراسات التي بنيت عليها قرارات المسارات والتخصصات والنسب.

نريد أن نعرف:

لماذا اختيرت نسبة 30%؟

ما الأساس العلمي لهذه النسبة؟

ما البدائل التي درستها الوزارة؟

ما أثرها المتوقع على الجامعات؟

ما أثرها على سوق العمل؟

ماذا سيحدث للطلبة الذين لا يحصلون على المسار الذي يرغبون به؟

ما مصير الطلبة في المناطق الأقل حظاً؟

كيف ستضمن الوزارة تكافؤ الفرص؟

وهل ستتوافر البنية التحتية والمعلمين والمختبرات قبل تطبيق التوسع في التعليم التطبيقي والمهني؟

وما الخطة لتسويق خريجي هذه المسارات داخل الأردن وخارجه؟

.

هذه أسئلة مواطن يريد أن يطمئن على مستقبل وطنه وأحفاده.


معالي الوزير...

نحن مع التطوير والتحديث.

ونحن مع التعليم التطبيقي والمهني.

ونحن مع إعداد أبنائنا لسوق العمل العالمي.

ونحن مع أن تكون المدرسة الأردنية قادرة على المنافسة.

لكننا نعتقد أن الإصلاح التربوي الحقيقي يبدأ بالإنسان، لا بالامتحان؛ وبالإقناع، لا بالفرض؛ وبالبنية التحتية، لا بالنسبة؛ وبالحوار المجتمعي، لا بالقرار المنفرد.

ولذلك أقترح إعطاء مساحة أوسع للحوار والاستماع إلى الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والجامعات والخبراء، وإجراء مراجعة علمية شاملة لمسارات التوجيهي قبل التوسع في تطبيق قرارات قد تكون آثارها بعيدة المدى.

فالتوجيهي ليس ملك وزارة التربية والتعليم وحدها.

إنه قضية وطن، وقضية أسرة، وقضية طالب، وقضية مستقبل الأردن.

وأحياناً يكون القرار الأقوى ليس في الاستمرار في القرار، وإنما في امتلاك الشجاعة لمراجعته عندما تقول التجربة والمجتمع إن هناك طريقاً أفضل.

مصطفى محمد عيروط


مواضيع قد تهمك