اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : إسرائيل بعد أمريكا

اسماعيل الشريف : إسرائيل بعد أمريكا
أخبارنا :  

إذا لم تأتِ المساعدة من الخارج، فلا مفر من السقوط - عموري الأول، ملك القدس، في رسالة إلى ملك فرنسا لويس السابع، 1164 ميلاديا.

أثبت «طوفان الأقصى»، ثم الحرب مع إيران، أن الكيان الصهيوني لا يستطيع الحفاظ على أمنه واستمراره من دون دعم أمريكي مباشر. والتاريخ يعلّمنا أن أي كيان يربط بقاءه بقوة خارجية يصبح هشا كلما ضعفت قدرة تلك القوة على حمايته، وقد يجد نفسه في النهاية في مهبّ الريح.

والأمثلة على ذلك كثيرة. فقد ارتبط بقاء الممالك الصليبية في منطقتنا إلى حد كبير بتدفق الأموال والجيوش والأساطيل من أوروبا؛ فكلما وصلت حملة صليبية قوية تحسن ميزان القوى لمصلحتها، وحين تراجع اهتمام أوروبا وانشغلت بصراعاتها الداخلية، بدأت تلك الممالك تفقد أهم مصادر قوتها. وكذلك كان حال الغساسنة أجدادنا في بلاد الشام، حلفاء البيزنطيين، حين تراجع الدعم الذي استندوا إليه بعدما دخلت الإمبراطورية البيزنطية في حرب استنزاف طويلة مع الدولة الساسانية، في مقابل أولاد عمومتنا المناذرة في الحيرة، حلفاء الفرس. وفي الحالتين ظل مصير القوى المحلية مرتبطًا بقوة حليفها الخارجي وقدرته على مواصلة الدعم.

والكيان الصهيوني ليس استثناءً من حركة التاريخ. فعلى مدى عقود، هيمنت الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، ومنحت الكيان تفوقًا عسكريًا وغطاءً سياسيًا كبيرا. لكن واشنطن تبدو اليوم أقل قدرة على حسم صراعها مع إيران؛ فقد جرّبت العقوبات والضغط الدبلوماسي والعمل العسكري من دون أن تحقق أهدافها كاملة. ومع تراجع حضورها في العراق وسوريا وانحسار نفوذها تدريجيًا في المنطقة، يضعف أحد أهم الأعمدة التي استند إليها الكيان طوال عقود.

والفكرة في أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في حماية إسرائيل، بل في قدرتها على القيام بذلك فقد أصبحت أكثر كلفة وأصعب من ذي قبل. فالتدخل المباشر قد يستدعي استهداف ايران مصافي النفط والبنية التحتية ومنشآت حيوية، وربما منشآت تحلية المياه، فضلًا عن تداعيات أوسع تشمل ارتفاع أسعار النفط وتراجع نفوذ البترودولار. ومن دون القدرة الأمريكية على فرض شروطها وموازينها في المنطقة، سيواجه الكيان عزلة إقليمية أكبر، وقد يشجع ذلك قوى المقاومة والقوى الإقليمية على تحدي نفوذه بصورة أوسع.

وفي هذا التصور، لم يعد الخصم العربي هو التهديد الرئيسي القادر على خوض حرب واسعة مع الكيان، بعدما أُضعف كثير من خصومه العرب أو أُقصوا من معادلة المواجهة. أما التهديد الأكبر فيأتي اليوم من قوى إقليمية غير عربية تمتلك قدرات عسكرية وسياسية كبيرة، وفي مقدمتها إيران وتركيا، في ظل تراجع الحضور الأمريكي وصمت نسبي من حلف الناتو.

قد يكون هذا هو شكل منطقتنا في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية: نظام إقليمي متعدد الأقطاب، تتقدم فيه أنقرة وطهران بوصفهما قوتين رئيسيتين، وتقف خلفهما الصين وروسيا بثقلهما الدولي، في مقابل انحسار الدور الأمريكي وتراجع قوة الكيان ونفوذه.

لقد بدأت، في تقديري، مرحلة انحسار الهيمنة الأمريكية والصهيونية في منطقتنا، ومعها تتغير معادلة بقاء الكيان. ففي عالم تتراجع فيه المظلة الأمريكية، لن يعود الردع وحده كافيًا؛ بل سيصبح الصمود والقدرة على التكيف وتقديم التنازلات عناصر أكثر أهمية في ضمان الاستمرار.


مواضيع قد تهمك