اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عمر الرداد : كيف يتابع الأردن التحولات التي تشهدها سوريا؟

د. عمر الرداد : كيف يتابع الأردن التحولات التي تشهدها سوريا؟
أخبارنا :  

تجاوز الأردن، منذ زمن، اختزال النظر والتعامل مع التحولات التي تشهدها سوريا باعتبارها شأناً سورياً داخلياً فحسب، بل ان مقاربات عميقة استقرت بربط تلك التحولات بأمنه الوطني واستقراره الاقتصادي ومصالحه الإقليمية، وتعززت بعد سقوط نظام بشار الأسد، بدعم قيام دولة سورية موحدة وقادرة على استعادة سيادتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، مع رفض أي مسارات من شأنها تكريس الانقسام أو إنتاج مراكز قوة عسكرية وأمنية خارج مؤسسات الدولة، فبالنسبة للاردن لا يمكن بناء سوريا مستقرة من دون دولة مركزية قادرة على احتكار أدوات القوة وفرض القانون.


وفي هذا السياق، يكتسب إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مظلوم عبدي، استكمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، فالمسألة، من المنظور الأردني، تتجاوز مستقبل «قسد» أو شكل العلاقة بين المكوّن الكردي ودمشق، لتصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الدولة السورية وإنهاء ظاهرة التشكيلات العسكرية المستقلة، فكلما اقتربت سوريا من امتلاك جيش وطني واحد ومؤسسات أمنية موحدة، ازدادت قدرتها على ضبط حدودها ومواجهة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.


وتكتسب هذه المعادلة أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الأردن بسبب طبيعة الحدود الأردنية السورية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مصدر متزايد للتهديدات الأمنية، ولا سيما مع تنامي عمليات تهريب المخدرات والأسلحة وتداخلها مع نشاط جماعات مسلحة ومليشيات وشبكات إجرامية عابرة للحدود، ولذلك انتقل الأردن تدريجياً من سياسة الاحتواء والمراقبة إلى مقاربة أكثر حزماً، تقوم على حماية حدوده ومنع تحويلها إلى ممر مفتوح للتهريب أو منصة لنشاط الجماعات المسلحة، وفي هذا الإطار جاءت العمليات التي نفذتها القوات المسلحة الأردنية ضد أهداف مرتبطة بشبكات التهريب داخل الأراضي السورية، بما فيها مواقع في محافظة السويداء، لتؤكد أن أمن الحدود يمثل خطاً أحمر بالنسبة إلى عمّان.


غير أن الأردن يدرك في الوقت نفسه أن المعالجة الأمنية، مهما بلغت من الحزم، لا يمكن أن تكون بديلاً عن وجود دولة سورية قادرة على فرض القانون والسيطرة على أراضيها، فالأمن المستدام للحدود الأردنية يبدأ من الجانب السوري،ومن قدرة دمشق على إنهاء الفراغات الأمنية وملاحقة شبكات التهريب ومنع الجماعات المسلحة من تحويل المناطق الحدودية إلى مناطق نفوذ مستقلة، ومن هنا يمكن فهم دعم الأردن للمسار الذي يقود إلى تعزيز مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك استضافة عمّان لقاءات سورية–إسرائيلية برعاية أميركية، في إطار السعي إلى خفض التوترات الأمنية في الجنوب السوري ومنع انتقال تداعياتها إلى الأراضي الأردنية.


وتبقى منطقة الجنوب السوري، بالنسبة إلى الأردن، الاختبار الأكثر حساسية لنجاح هذه المعادلة،فاستمرار تعدد القوى المسلحة ومراكز النفوذ في درعا والسويداء والمناطق القريبة من الحدود يبقي احتمالات الفوضى والتهريب والتوتر الأمني قائمة،ولذلك تبدو المصلحة الأردنية مرتبطة بتمكين الدولة السورية من استعادة حضورها تدريجياً في هذه المناطق، ولكن من خلال مقاربة سياسية وأمنية متوازنة تراعي خصوصية المجتمعات المحلية وحقوق سكانها، ففرض الاستقرار بالقوة وحدها قد ينجح في إنتاج هدوء مؤقت، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.


ولا ينفصل البعد الأمني عن المصالح الاقتصادية الأردنية،فسوريا المستقرة تمثل فرصة لإعادة تنشيط حركة التجارة والنقل بين الأردن وسوريا، وفتح طرق أوسع أمام المنتجات الأردنية باتجاه تركيا وأوروبا، فضلاً عن إمكانية استفادة الشركات الأردنية من مشاريع إعادة الإعمار في قطاعات المقاولات والخدمات والنقل والطاقة والصناعة، كما أن تحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في سوريا يمكن أن يهيئ ظروفاً أفضل للعودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين، بما يخفف تدريجياً من الضغوط التي تحملها الأردن طوال سنوات الأزمة.


ومع ذلك، يدرك الاردن ان مسار دمج «قسد» لا يعني أن الأزمة السورية دخلت نهايتها، فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة دمشق على تحويل الاتفاقات السياسية إلى ترتيبات مؤسسية قابلة للتنفيذ، وعلى بناء صيغة وطنية تستوعب المكوّن الكردي وتحفظ حقوقه السياسية والثقافية، بالتوازي مع معالجة قضايا الإدارة المحلية والموارد والتمثيل السياسي، ويهم الأردن نجاح هذه العملية، لأن أي فشل في بناء صيغة سورية جامعة قد يعيد إنتاج الصراع والانقسام، بما ينعكس مجدداً على أمن الحدود والمنطقة.


الرؤية الأردنية للتحولات السورية ثابتة، استقرت بمعادلة لا لبس فيها: سوريا موحدة، دولة واحدة، جيش وطني واحد، مؤسسات أمنية موحدة، حدود مضبوطة، وسلطة قادرة على فرض القانون، مع ضمان حقوق جميع مكونات المجتمع السوري،والأردن لا يبحث عن نفوذ داخل سوريا، ولا عن سوريا ضعيفة أو مجزأة، وإنما عن دولة مستقرة وقادرة على إدارة شؤونها والسيطرة على حدودها،وإذا نجحت دمشق في الانتقال من مرحلة مناطق النفوذ والجيوش الموازية إلى مرحلة الدولة والمؤسسات، فإن الحدود الأردنية السورية لن تبقى مجرد خط أمني لمواجهة التهديدات، بل يمكن أن تتحول تدريجياً إلى بوابة للتجارة وإعادة الإعمار والتنمية والتكامل الاقتصادي بين البلدين.




مواضيع قد تهمك