اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. احمد عبد الله النصيرات : عندما يصبح النجاح مسؤولية

د. احمد عبد الله النصيرات : عندما يصبح النجاح مسؤولية
أخبارنا :  

هناك لحظة في حياة الإنسان يتغير فيها معنى النجاح من دون أن يتغير اسمه. لحظة لا يعود فيها السؤال: "كيف أصل؟"، لأن الوصول قد تحقق بالفعل، ولا يعود التحدي في إثبات القدرة، لأن الإنجاز أصبح شاهداً عليها. عندها يبرز سؤال أكثر عمقاً، وربما أكثر صعوبة: ماذا سأفعل بما وصلت إليه؟


في البدايات، يكون النجاح شأناً شخصياً. ندرس لنتقدم، ونعمل لنترقى، ونبني لنحقق حلماً، ونثابر لنصل إلى المكان الذي نطمح إليه. وكل خطوة إلى الأمام تمنحنا شعوراً مستحقاً بالإنجاز. لكن النجاح، حين يتسع، لا يبقى ملكاً لصاحبه وحده، فكلما اتسعت دائرة تأثير الإنسان، اتسعت معها دائرة مسؤوليته.


وهنا تكمن المفارقة الجميلة: قد يظن الإنسان أن تحقيق النجاح يعني أن يصبح أقل التزاماً، بينما الحقيقة أن هذا النجاح يضع على عاتقه مسؤولية أكبر. ولعل أبلغ ما يلخص هذا المعنى مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي "رعاه الله": "النجاح هو في أداء الأمانة بأمانة.. والقيام بمسؤولياتنا الوطنية بمسؤولية".


فالإنجاز يمكن أن يُقاس، أما الأثر فلا يظهر دائماً في جدول أو تقرير. قد نعرف كم مشروعاً أنجزنا، وكم هدفاً حققنا، وكم خطوة تقدمنا بها، لكن يصعب أن نحصر عدد الأشخاص الذين منحناهم فرصة، أو شجعناهم على المحاولة، أو ساعدتهم خبراتنا في اتخاذ قرار أفضل. ولهذا، فإن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند السؤال: ماذا حققت؟ بل يظهر بعده سؤال آخر: ماذا صنعت بما حققت؟


هناك من يرى النجاح امتيازاً، وهناك من يراه مسؤولية. وهناك من يعتبر الخبرة رصيداً شخصياً يحتفظ به، وهناك من يحولها إلى معرفة يشاركها مع الآخرين، إيماناً بأن ما نتعلمه في طريقنا يمكن أن يصبح فائدة لغيرنا.


وليس المقصود بالمسؤولية أن يحمل الإنسان العالم على كتفيه، وإنما أن يدرك أن ما اكتسبه من خبرة وقدرة وتأثير يتيح له أن يقدم شيئاً يتجاوز حدود إنجازه الشخصي. فإذا زادت معرفته، فكيف ينفع بها؟ وإذا أصبح صوته مسموعاً، فهل يجعله ذلك أكثر إنصافاً في الحديث؟ وإذا أتاح له نجاحه فرصاً لم تكن متاحة من قبل، فهل يستطيع أن يفتح بعضها لمن يأتي بعده؟


فالنجاح، في نهاية الأمر، لا يقاس بما يضيفه إلينا فقط، بل بما نستطيع أن نضيفه من خلاله. وليس المهم أن نتقدم وحدنا، بل أن نجعل الطريق أكثر وضوحاً لمن يواصل المسيرة بعدنا.


عندما نصل إلى هذه القناعة، يصبح النجاح شيئاً أكبر من إنجاز شخصي، يصبح مسؤولية، وتصبح قيمة ما حققناه مرتبطة بما نستطيع أن نقدمه للآخرين، وبالأثر الذي نتركه لمن حولنا.



مواضيع قد تهمك