اسماعيل الشريف : النقطة الزرقاء الباهتة
(وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) [الإسراء: 37].
قبل أيام، شاهدت فيلمًا وثائقيًا مذهلًا عن الفضاء، صدر هذا العام، ويتناول المسيرة الحياتية والمهنية لجينتري لي، مهندس استكشاف الكواكب في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، وكاتب الخيال العلمي، مستعرضًا مسيرته في بعثات فضائية مهمة، من بينها بعثات فايكنغ.
ينطلق الفيلم من سؤال جوهري: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟ وبعد عقود أمضاها لي في دراسة الكواكب والبحث عن حياة خارج الأرض، يصل إلى تأمل عميق مفاده أن كوكبنا قد يكون نادرًا واستثنائيًا إلى حد بعيد، وأن على البشرية، من ثم، مسؤولية الحفاظ عليه.
وأنت تشاهد المشاهد المهيبة للكون، وتتنقل ببصرك بين كواكب مجموعتنا الشمسية، لا تملك إلا أن تردد: سبحان الله!
يظهر في لقطات قصيرة من الفيلم عالم الفلك والكواكب كارل ساغان، الذي يعرفه أبناء جيلي جيدًا؛ فقد كان يقدم برنامجه الشهير «الكون: رحلة شخصية»، شارحًا علم الفلك ونشأة الكون والحياة بلغة بسيطة تجمع بين المعرفة العلمية والتأمل البليغ. وقد أعادني ظهوره، في لحظة خاطفة، إلى سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته، حين كنت طفلًا ثم شابًا مأخوذًا ببرنامجه، مبهورًا بما يقدمه. وما إن رأيته حتى اجتاحتني موجة عارمة من الحنين إلى ذلك الزمن.
في عام 1990، أقنع ساغان وكالة ناسا بأن تدير مركبة «فوياجر 1» نحو الخلف، من مسافة تقارب 3.7 مليار ميل عن الأرض، لتلتقط صورة لكوكبنا قبل أن تواصل رحلتها خارج النظام الشمسي بلا عودة. ولم تظهر الأرض في الصورة إلا نقطة ضئيلة معلقة داخل شعاع متناثر من ضوء الشمس.
تلك النقطة هي الأرض!
كتب ساغان آنذاك تأملًا قصيرًا جميلا عن هذه الصورة، حطم فيه غرور الإنسان وتضخم الأنا لديه، مهما بلغ شأنه. وصف الأرض بأنها ذرة معلقة في شعاع من الضوء، تدور في أعماق الفضاء، ومع ذلك فهي المكان الذي نسميه جميعًا وطنًا. ورأى أن تباهينا، وشعورنا الوهمي بأهميتنا، واعتقادنا بأن لنا مكانة مميزة في الكون، تتحداها جميعًا تلك النقطة الباهتة.
كل حرب خاضتها البشرية كانت من أجل رقعة صغيرة من هذه الذرة، وكل إمبراطورية نهضت ثم سقطت قامت فوقها، وكل جبار متكبر انتهى مدفونًا تحت ترابها، وكل فعل عرفه البشر، رقيقًا كان أم قاسيًا، وقع داخل غلافها الجوي. وتأملوا أنهار الدماء التي أراقها القادة والأباطرة كي يصبحوا، في لحظة عابرة من المجد والانتصار، سادة مؤقتين على جزء ضئيل من نقطة.
وتكمن روعة هذا التأمل في أنه يأخذ أعظم ما يشتهيه الإنسان من جاه ومال وسلطان، ثم يضعه كله داخل تلك النقطة الباهتة المعلقة في اتساع الفضاء؛ فتتكشف، أمام عظمة الكون، ضآلة كل ما يتباهى به البشر.
أكبر مشكلاتك، وأشد مخاوفك، وغيرتك وحقدك، وكل من أحبك أو كرهك أو آذاك؛ كل ذلك حدث داخل هذه الذرة. وفيها عاش كل بطل وجبان، وكل شريف وحقير، وكل امبراطور وفقير، وكل زوج وزوجة. أجمل ما حدث في حياتك كان على هذه النقطة، وأسوأ ما حدث لك كان عليها أيضًا.
توجه ساغان بكلماته هذه إلى البشرية كلها: إلى الحروب التي خيضت من أجل الحدود، وإلى الجنرالات و«من يسمون بالعظماء»، الذين انتصروا للحظة على جزء من نقطة بالكاد استطاعوا رؤيتها بالتلسكوب. ووصف الأرض بأنها مسرح بالغ الصغر داخل ساحة كونية شاسعة.
ولم يكن في ذلك تقليل من خطورة الصراعات البشرية أو سخرية منها؛ بل كان دعوة إلى إدراك فداحة ما نفعله بأنفسنا فوق هذا الكوكب الصغير. فهذه الصورة، في نظر ساغان، تذكرنا بمسؤوليتنا عن أن نتعامل بعضنا مع بعض بكثير من الانسانية، وأن نحافظ على «النقطة الزرقاء الباهتة» ونرعاها؛ فهي الوطن الوحيد الذي عرفناه يومًا.
عزيزي القارئ، ابحث عن هذه الصورة، وانظر إليها مليًا، ثم اسأل نفسك: ما الذي يستحق حقًا أن نمنحه أعمارنا في هذه الحياة؟ وهل تستحق خلافاتنا، ومخاوفنا، وأحقادنا، وكل ما يستنزف أرواحنا، كل هذا العناء فوق نقطة زرقاء باهتة معلقة في اتساع الكون؟