اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : من الأرقام إلى السلوك: رحلة تحديث القطاع العام الأردني

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : من الأرقام إلى السلوك: رحلة تحديث القطاع العام الأردني
أخبارنا :  

يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره في العمل، والرضا الوظيفي - الذي تصنعه العدالة والتقدير والثقة ومعنى العمل - يتحول إلى سلوك يومي: مبادرة، وتعلّم، وتعاون، وحرص على الجودة. وحين تتراكم هذه السلوكيات، تتحول إلى إنتاجية، ثم خدمة عامة أفضل واقتصاد أكثر كفاءة.

تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ارتباط جودة بيئة العمل بالإنتاجية، ويظهر تحليل غالوب 2026 أن وحدات العمل ذات الاندماج المرتفع تحقق أرباحًا أعلى مع غياب ودوران أقل. ومعدل الاندماج العالمي لا يتجاوز 23%، مما يجعل أي تحسين مؤشرًا على إمكانات تنموية غير مستثمرة.

في الأردن، أدخل البرنامج التنفيذي الثاني لخارطة تحديث القطاع العام (2026-2029) مؤشرات الرضا والإنتاجية ضمن مكونات الإصلاح التي تشمل الموارد البشرية والقيادات والحوكمة والثقافة المؤسسية. شمل قياس شباط 2026 أكثر من 40 ألف موظف في 97 دائرة حكومية، وسجل الرضا 77% والاندماج 69%، وهما رقمان يضعان الأردن فوق المعدلات العالمية، لكنهما يطرحان تساؤلًا: هل يُترجم هذا الرضا إلى أداء فعلي؟ أم أنه يعكس توقعات متواضعة أو ثقافة مجاملة في الاستبيانات؟

الرقم يظهرك كخريطة تكشف مواضع التعطل، وما السلوك الذي يحتاج إلى تغيير، وما التدخل المناسب. وتشير دراسات مقارنة إلى أن علاقة الموظف بقائده المباشر هي العامل الأكثر تأثيرًا في الرضا في القطاع العام، يليه التطوير المهني ثم الراتب.

وهنا يضيف الاقتصاد السلوكي بُعدًا مختلفًا: بين السياسة والسلوك مساحة تصنعها العادات، والاحتكاك، وطريقة تقديم الخيارات، والشعور بالعدالة، وتوقعات الآخرين. فالموظف قد يعرف المطلوب ويمتلك الأداة، لكنه يتصرف بطريقة أخرى. وأظهرت تجارب دولية - كتطبيق الاقتصاد السلوكي في إيطاليا وكندا - أن إعادة تصميم التواصل الداخلي وتقليل الإجراءات الروتينية حسّنا امتثال الموظفين وإقبالهم على البرامج بنسب ملحوظة، دون حاجة إلى قوانين جديدة. فتحسين الأداء قد يكون أحيانًا في إزالة عائق صغير من طريق السلوك المرغوب.

يمكن للأردن أن يبدأ باختبار الاحتكاك المؤسسي: أين تتعثر الخطوة؟ لماذا يبدو الإجراء البسيط معقدًا؟ ما الذي يثبط المبادرة؟ ثم قياس أثر تدخلات محدودة قبل تعميمها. وهذا ينسجم مع ما تؤكده OECD: "التعلّم والتطوير" هو العامل الأقوى في تحسين الاندماج ورفاهية الموظفين، متفوقًا على الحوافز المالية وحدها.

هذه طريقة مختلفة في إدارة التحديث: تجربة، وقياس، وتعلّم، ثم توسع. تجعل الموظف شريكًا في فهم الإصلاح. وهذا التحول من ثقافة الأوامر إلى المشاركة يحتاج قيادات قادرة على بناء الثقة.

والأثر لا يتوقف عند الموظف؛ فالسلوك المحسّن داخل المؤسسة يظهر خارجها في سرعة الخدمة ودقتها وثقة المواطن. وكما تطلق بعض الدراسات "مرآة الرضا"، يرتبط رضا الموظفين برضا المواطنين ارتباطًا وثيقًا.

المرحلة الأولى من التحديث انشغلت ببناء الأنظمة، أما المرحلة الأعمق فتحتاج إلى فهم الإنسان الذي يتحرك داخلها.


مواضيع قد تهمك