معتز عبد القادر عساف : رؤية تحليلية لتحديث القطاع العام: من برنامج حكومي إلى مشروع دولة
الجزء الثاني: المؤشرات الدولية، هل نقيس ما نريد قياسه؟
في المقال الأول من هذه السلسلة، تناولت الجوانب الإيجابية في البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام 2026-2029، ومن أبرزها استمرارية مسار التحديث، والرؤية بعيدة المدى، والتوجه نحو النتائج، وإدارة التغيير، والانفتاح على المقارنات الدولية. وأشار المقال إلى أن المؤشرات الدولية ستكون محور المقال التالي، ليس باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما كأداة لتقييم أداء الدولة ومقارنة التجربة الأردنية دولياً.
ومن هنا يبرز السؤال: هل نستخدم المؤشرات لإثبات التحسن، أم لقياس التحسن الحقيقي؟
من إدراج المؤشرات إلى اختيار المؤشر المناسب
يمثل إدراج المؤشرات الدولية خطوة إيجابية، فهي توفر منظوراً خارجياً لأداء الأردن، وتحظى باهتمام المستثمرين والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية والباحثين والمهتمين بأداء الدول.
لكن قيمة المؤشر لا تأتي من كونه "دولياً" فقط، بل يجب أن يكون موثوقاً وصحيحاً (Reliable & Valid)، وواضح المنهجية، ويقيس ما يجب قياسه فعلاً، ويسمح بالمقارنة عبر الزمن.
فالهدف من المؤشرات ليس إثبات أن الأداء قد تحسن، وإنما التأكد من أن التحسن حقيقي وقابل للقياس والمقارنة. ولذلك فإن اختيار المؤشر الصحيح والموثوق لا يقل أهمية عن النتيجة التي يظهرها المؤشر.
العبرة ليست بعدد المؤشرات، وإنما بمدى ملاءمتها لما نريد قياسه.
لماذا مؤشر كفاءة الحكومة؟
في هذا السياق، يبرز مؤشر كفاءة الحكومة (Government Efficiency) ضمن تقرير التنافسية العالمية (IMD World Competitiveness Ranking) الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية.
وتضع IMD كفاءة الحكومة كأحد أربعة عوامل رئيسية للتنافسية، وتتكون من خمسة مكونات هي: المالية العامة، والسياسة الضريبية، والإطار المؤسسي، وتشريعات الأعمال، والإطار المجتمعي.
وهذا يجعله مؤشراً ذا صلة مباشرة بأهداف تحديث القطاع العام، الذي يستهدف في جوهره رفع كفاءة مؤسسات الدولة وفعاليتها وتحسين البيئة المؤسسية للمواطن والاقتصاد.
ماذا تقول حالة الأردن؟
وتوضح التجربة الأردنية أهمية عدم الاكتفاء بالترتيب العام للتنافسية. فقد تحسن ترتيب الأردن العام من 56 عام 2022 إلى 54 عام 2023، ثم 48 عام 2024، و47 عام 2025. وفي المقابل، تحسن ترتيب الأردن في كفاءة الحكومة من 44 عام 2022 إلى 41 عام 2023 و37 عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 39 عام 2025.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى مؤشر كفاءة الحكومة تحديداً، وليس إلى الترتيب العام للتنافسية فقط. فبينما واصل الأردن تحسين ترتيبه العام في التنافسية، شهد مؤشر كفاءة الحكومة تراجعاً في 2025. كما سجل الأردن نقاط قوة مهمة داخل هذا العامل، منها المرتبة الخامسة عالمياً في كفاءة البيروقراطية، والمرتبة الأولى في انخفاض تكاليف الفصل من العمل، في حين تراجع ترتيب الإطار المؤسسي من 36 إلى 39، رغم تحسن المالية العامة من 42 إلى 40.
وتوضح هذه النتائج أهمية متابعة مكونات كفاءة الحكومة واتجاهاتها عبر الزمن، وليس الترتيب العام للتنافسية وحده، لأنها توفر قراءة أكثر ارتباطاً بأداء القطاع العام وتساعد على تحديد مواطن القوة ومجالات التحسين.
المؤشر ليس هدفاً بحد ذاته
لا ينبغي أن تتحول المؤشرات إلى مجرد أدوات لإثبات نجاح التحديث، بل إلى أدوات للتحقق من تحقق نتائجه. فالهدف ليس رفع ترتيب الأردن لمجرد تحسين الترتيب، وإنما أن يؤدي برنامج التحديث إلى تحسن حقيقي في أداء مؤسسات الدولة، وأن تعكس المؤشرات هذا التحسن بصورة موضوعية.
ولذلك ينبغي أن يبدأ الأمر بالإصلاح الحقيقي وتحسن الأداء والنتائج، ثم يأتي المؤشر لقياس هذا التحسن والتحقق منه، وليس اختيار المؤشر أو استهدافه لمجرد إظهار نتيجة أفضل.
ومن هنا تبرز أهمية ربط المؤشرات بالبرنامج التنفيذي من خلال أسئلة أساسية: ما المشاريع التي يفترض أن تحسن كفاءة الحكومة؟ ما خط الأساس والمستهدف؟ متى تظهر النتيجة؟ وكيف نعرف أن التحسن جاء نتيجة للإصلاح؟
عندها يتحول المؤشر من رقم في تقرير دولي إلى أداة فعلية لإدارة الإصلاح وقياس أثره.
نحو منظومة أقوى للقياس
إدراج المؤشرات الدولية في البرنامج يمثل خطوة إيجابية، لكن القيمة الحقيقية تكمن في اختيار المؤشرات المناسبة، وكيفية استخدامها، وربطها بأهداف ومشاريع البرنامج.
والأفضل أن تعتمد منظومة القياس على مجموعة متكاملة من المؤشرات الدولية والوطنية التي تقيس كفاءة الحكومة وجودة المؤسسات والخدمات والتحول الرقمي والموارد البشرية وكفاءة الإنفاق والنتائج التي يلمسها المواطن والاقتصاد.
وهنا نصل إلى السؤال الذي سيكون محور الجزء الثالث:
إذا كانت المؤشرات الدولية توفر مقياساً خارجياً للأداء، فهل تتوافق الأهداف والمؤشرات الاستراتيجية داخل البرنامج التنفيذي نفسه مع النتائج التي يفترض أن يحققها؟ وهل يوجد ترابط واضح بين الهدف الاستراتيجي، والمؤشر، والمشروع، والنتيجة المستهدفة؟
هذا هو السؤال الذي سننتقل إليه في الجزء الثالث من هذه السلسلة من المقالات.