د. عماد الحمادين : مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي .. التهديدات الاستراتيجية في البيئة الداخلية والخارجية
عقد معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) مؤتمره السنوي للأمن يوم 27 تموز 2026 تحت عنوان «العصر الأمني الجديد لإسرائيل». وجمع المؤتمر نخبة من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية إلى جانب باحثين وأكاديميين، لمناقشة التحوّلات التي طرأت على إسرائيل في ظل المواجهة مع إيران وحلفائها، واستمرار الحرب في قطاع غزة، وتصاعد الوضع الميداني في الضفة الغربية، إضافة إلى تراجع مكانة إسرائيل على الساحة الدولية. تأتي الدراسة في وقت مهم وحرج بالنسبة لإسرائيل، حيث وخلال السنوات الثلاث الماضية مرت المنطقة بسلسلة من الأزمات، أهمها هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه من حروب وأزمات داخلية وعلاقات متفاوتة ومتناقضة مع الحلفاء في المنطقة والعالم. مفهوم التهديد للأمن القومي الإسرائيلي شهد تحولًا من التركيز التقليدي على التهديدات الخارجية إلى إدراك متزايد للتهديدات الناتجة عن البيئة الداخلية نفسها، مع وجود تداخل عضوي بين الأمن الداخلي والخارجي.
أهمية هذا المؤتمر تنبع من أنه يعتمد على دراسة منهجية تطبيقية قام بها المعهد الإسرائيلي، حيث اعتمدت على آراء الجمهور وتقديرات الخبراء، أي أن منهجية الدراسة أعطت انطباعًا دقيقًا عن التهديدات المحتملة القادمة. أجرى الباحثون مقابلات واستطلاعات مع نحو 150 خبيرًا وخبيرة، إلى جانب دبلوماسيين أجانب وسياسيين وقادة ينتمون إلى فئات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي. وبعد تحديد أربعة عشر سيناريو محتملًا، عرض الباحثون هذه السيناريوهات على قرابة ألف إسرائيلي وطلبوا منهم تقييم خطورة كل تهديد واحتمال وقوعه وحجم الضرر المتوقع في حال تحققه، ومدى استعداد الدولة لمواجهته. كما سمحوا للمشاركين باقتراح تهديدات لم يضعها الخبراء ضمن القائمة الأصلية.
قسمت الدراسة التهديدات إلى تهديدات داخلية وخارجية. التهديدات الداخلية تمثلت:
أولًا: تراجع الطابع الديمقراطي للدولة، وهذا يعني أن ضعف المؤسسات وتراجع استقلالها وانخفاض الثقة بها يؤثر في قدرة الدولة على اتخاذ القرارات وحشد المجتمع وإدارة الخلافات خلال الأزمات.
ثانيًا: تحوّل الانقسامات الداخلية إلى حرب أهلية. حيث أظهرت النتائج أن 97% من المشاركين عبّروا عن قلقهم من التهديدات الداخلية، مقابل نحو 80% عبّروا عن قلقهم من التهديدات الخارجية. يعكس هذا حقيقة أن العدو الخارجي يوحّد القوى الداخلية، بينما الانقسام الداخلي يمنع بناء الوحدة أصلًا. يرتبط هذا التهديد بما يسمى في إسرائيل بصراع الهوية والدين والعلاقة مع الدولة وأعباء الخدمة العسكرية، وهذا، بوجهة نظر الإسرائيليين، يشجع الأعداء الخارجيين على إسرائيل.
ثالثًا: القضية الفلسطينية والتحول إلى دولة ثنائية القومية: اعتبرت الدراسة أن القضية الفلسطينية تهديد طويل الأمد، ووضعت ثلاثة مسارات محتملة، أهمها: ضم الأراضي الفلسطينية دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين مع اليهود، والتحول إلى دولة ثنائية القومية، وإقامة دولة فلسطينية. أظهرت النتائج قدرًا من التوافق على خيار الدولة ثنائية القومية على أنه يمثل السيناريو الأكثر تهديدًا لمستقبل إسرائيل.
رابعًا: التحولات الديموغرافية وتراجع الإنتاجية: حيث ظهر تقلص في نسبة السكان الذين يعملون ويدفعون ضرائب، في مقابل ازدياد الفئات التي تعتمد على موازنة الدولة ولا تتحمل القدر نفسه من الأعباء.
خامسًا: هجرة أصحاب المهارات والكفاءات: يظهر هذا العامل كتهديد، حيث يخشى الإسرائيليون من هجرة العقول والقدرات العلمية، ويُقدّر العدد بعشرين ألفًا سنويًا.
التهديدات الخارجية فقد تمثلت على النحو التالي:
1. تحول إيران إلى دولة تمتلك سلاحًا نوويًا: يرى الجمهور الإسرائيلي أن هذا السيناريو من أخطر السيناريوهات التي قد تسبب ضررًا بالغًا لإسرائيل.
2. التعرض لهجوم صاروخي واسع: الخوف من تعرض إسرائيل لهجوم صاروخي واسع منسق من عدة جبهات، مما قد يلحق ضررًا بالغًا بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.
3. استمرار الحرب فترة طويلة: برز هذا الأمر كتهديد بسبب إمكانية استنزاف الجيش وقوات الاحتياط والاقتصاد والمجتمع، ويؤدي إلى تراجع الإنتاجية أيضًا.
4. تراجع الدعم الأمريكي: صنفت الدراسة تراجع الدعم الأميركي ضمن «التهديدات الاستراتيجية الخطيرة». فقد أصبح الجمهور أكثر وعيًا بحجم الدور الذي يؤديه الغطاء الأميركي في توفير السلاح والذخائر، والدفاع عن إسرائيل داخل المؤسسات الدولية ودعمها اقتصاديًا وسياسيًا.
5. العزلة الدولية الإسرائيلية وفقدان الشرعية الخارجية: يرى الجمهور أن تراجع المكانة الدولية قد يحرم إسرائيل من المساندة العسكرية والسياسية، ويفتح الباب أمام العقوبات والمقاطعة والقيود الاقتصادية والقانونية. كما قد يضاعف آثار التهديدات الأخرى؛ لأن الدولة المعزولة تواجه صعوبة أكبر في الحصول على الموارد والتحالفات اللازمة لإدارة الأزمات.
يلاحظ من هذه التهديدات الداخلية والخارجية أنها مترابطة بعضها مع بعض، وأن هناك علاقة واضحة بين التهديد الخارجي والتهديد الداخلي. كذلك يلاحظ أن التهديدات جميعها تقريبًا هي من آثار أحداث السابع من أكتوبر. فتراجع الطابع الديمقراطي، مثلًا، هو نتيجة للسياسات التي انتهجتها حكومة اليمين المتطرف للقضاء على وجود الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم والرغبة لدى بنيامين نتنياهو بالسيطرة على النظام التشريعي في إسرائيل. ومن الملاحظات المهمة غياب التهديد أو الخوف الإسرائيلي من العرب. فلم تذكر الدراسة أن الإسرائيليين يعتبرون دولة عربية أو عدة دول بحد ذاتها تهديدًا لإسرائيل، فلم يعد العرب، حسب الدراسة، يشكلون تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي.
من المفارقات في هذه الدراسة هو اعتبار العلاقة أو توقف الدعم الأمريكي مهددًا للأمن القومي الإسرائيلي من قبل قادة الرأي والمواطنين المستطلعة آراؤهم. وهذا لم يكن سابقًا يُطرح للنقاش، حيث كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مقدسة وعصية على الاختراق، ولكن الحرب الإيرانية الأخيرة وتصريحات المسؤولين في كلا البلدين أثبتت أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يمكن أن يتقلص أو حتى يتوقف نهائيًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن 7 أكتوبر لم يغيّر فقط خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل، وإنما غيّر أيضًا طريقة تعريف إسرائيل للأمن القومي نفسه.
فالأمن الإسرائيلي في المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بقدرة الجيش على هزيمة خصومه، وإنما بقدرة الدولة على المحافظة على تماسك مجتمعها، واستدامة اقتصادها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وقدرتها على إدارة العلاقة بين الدين والدولة، ومعالجة المعضلة الفلسطينية، والحفاظ على قاعدة بشرية واقتصادية قادرة على تحمل تكاليف الأمن، إضافة إلى المحافظة على شبكة تحالفاتها الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وتبرز هنا المفارقة الأكبر: فالدولة التي طالما عرّفت أمنها من خلال قدرتها على مواجهة أعدائها الخارجيين بدأت تنظر بصورة متزايدة إلى ضعفها الداخلي واعتمادها الخارجي باعتبارهما جزءًا من معادلة الخطر نفسها.
وعليه، فإن السؤال المركزي للأمن القومي الإسرائيلي لم يعد فقط: من يهدد إسرائيل؟ وإنما أصبح بصورة متزايدة: ما الذي يمكن أن يضعف قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات، حتى لو بقيت متفوقة عسكريًا؟
وهذا التحول قد يكون أحد أهم ملامح «العصر الأمني الجديد لإسرائيل» الذي ناقشه مؤتمر INSS لعام 2026.
* مركز الدراسات الاستراتيجية- الجامعة الاردنية