اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سمير حمدان - بودابست : مفارقة الإمبراطورية الأمريكية في عالم لم يعد أمريكيا

سمير حمدان  بودابست : مفارقة الإمبراطورية الأمريكية في عالم لم يعد أمريكيا
أخبارنا :  

حين ترتفع كلفة النفوذ


إليك الرقم الذي يفضّل كثيرون في واشنطن عدم التوقف عنده طويلًا، صافي فوائد الدين الأميركي بات ينافس الإنفاق الدفاعي، ويتجاوزه وفق بعض المقارنات السنوية، ليست هذه نبوءة بانهيار أميركا، بل إشارة إلى مفارقة أكثر خطورة، القوة التي هزمت خصومها في القرن الماضي تواجه اليوم فاتورة متصاعدة للحفاظ على النظام الذي صنع قوتها .


في ٢٠٠٢، حين بدت أميركا كأنها ربحت التاريخ، نشر إيمانويل تود كتابه «ما بعد الإمبراطورية»، محذرًا من أن ذروة الهيمنة قد تخفي بداية تراجعها، وكان سجله يستحق الإصغاء لا التصديق الأعمى، ففي كتابه «السقوط الأخير» عام ١٩٧٦ قرأ ضعف الاتحاد السوفييتي عبر الديموغرافيا والإنتاج ومؤشرات المجتمع، لا الصواريخ وحدها، ثم تفكك الاتحاد بعد خمسة عشر عامًا، لكن أميركا كانت اختبارًا أصعب، لأنها تملك قدرة أكبر على تحويل اختلالاتها إلى قوة .


في آب ٢٠٢٦ تجاوز الدين الفيدرالي ٤٠ تريليون دولار، بعدما كان ١٩,٩٥ تريليونًا في ٢٠١٧، ويقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس صافي فوائد الدين بنحو تريليون دولار هذا العام، أي ٣,٣٪ من الناتج، مع اتجاهها إلى ٢,١ تريليون في ٢٠٣٦، المشكلة ليست إفلاس دولة تقترض بعملتها، بل أن خدمة الماضي المالي تبدأ بمنافسة الاستثمار في قوة المستقبل .


وهنا المفارقة التي لم يرها تود كاملة، أميركا حولت اعتمادها على العالم إلى اعتماد العالم عليها، فالدولار يمثل ٥٧,١٣٪ من الاحتياطيات العالمية، وسندات الخزانة ما زالت أصلًا مركزيًا، فتستورد واشنطن مدخرات العالم لتمويل قوتها، ثم تعيد هذه القوة المال إليها، الإمبراطوريات القديمة انتزعت الثروة من الأطراف، أما الأميركية فجعلت الأطراف تخشى على ثروتها إذا اهتز المركز، هذا ليس ضعفًا يُخفى، بل ضعف يُستثمر .


لكن الصناعة تكشف حدود الدائرة، الصين تستحوذ اليوم على قرابة ٣٠٪ من القيمة المضافة الصناعية العالمية، بينما تحتفظ أميركا بالتفوق في التمويل والتكنولوجيا والجامعات والتحالفات، لذلك لا ينتقل العالم ببساطة من قرن أميركي إلى قرن صيني، بل تتفتت عناصر القوة بين مراكز متعددة، واشنطن تستطيع ردع منافس، لكنها لا تستطيع إعادة عالم موزع القوة إلى مركز واحد .


وهنا يعود مفهوم تود عن «العسكرة المسرحية»، أي إظهار التفوق أمام الأضعف عندما تصبح مواجهة الأقوياء أكثر كلفة، ومعهد ستوكهولم يقدر الإنفاق العسكري الأميركي في ٢٠٢٥ بنحو ٩٥٤ مليار دولار، أي ٣٣٪ من الإنفاق العالمي، لكن العراق وأفغانستان أثبتا أن إسقاط حكومة أسهل من صناعة نظام، تستطيع أميركا تدمير الواقع أسرع مما تستطيع تشكيل ما بعده، القوة باقية، لكن عائدها السياسي أقل ضمانًا .


والإنذار الأذكى يأتي من الحلفاء، ففي أيار ٢٠٢٦ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يريد خفض المساعدة العسكرية المالية الأميركية البالغة ٣,٨ مليارات دولار سنويًا إلى الصفر خلال عقد، هذا لا يعني حياة إسرائيل خارج المظلة الأميركية، فالعلاقة أعمق من المال، لكنه يعني محاولة تقليل الاعتماد داخلها، والفرق جوهري، فالخصم يبحث طبيعيًا عن بديل، أما عندما يطلب الحليف استقلالًا أكبر فإن الهيمنة تفقد شيئًا من احتكار القرار .


وهنا يصبح درس ١٩٢٩ مهمًا، لا لأن الحاضر نسخة من عهد الرئيس هربرت هوڤر، بل لأن القوة الأكثر استفادة من النظام المفتوح قد تضعفه عندما تفرط في تسليح امتيازاته، الرسوم والعقوبات والضغط المالي تؤلم الخصوم اليوم، لكنها تعلمهم غدًا بناء تجارة وتمويل أقل تعرضًا للقرار الأميركي، وكل امتياز يتحول مرارًا إلى سلاح يرفع قيمة الاستقلال عنه .


أخطأ تود حين بالغ في استقلال أوروبا وقلل من مرونة الاقتصاد الأميركي، لكنه أصاب الاتجاه، العالم لا يحتاج إلى إسقاط أميركا كي يبدأ الخروج من طاعتها .


الاتحاد السوفييتي سقط عندما عجز عن تمويل إمبراطوريته، أما المفارقة الأميركية فأغرب، قد يستمر العالم في تمويل أميركا لأنه يحتاج إليها، بينما يتعلم رفض إرادتها لأنه يملك خيارات أكثر، أخطر لحظة على الإمبراطورية ليست عندما يتوقف العالم عن حاجته إليها، بل عندما يظل محتاجًا إليها ويتوقف عن طاعتها، عندها لا تسقط أميركا، ولا تنسحب جيوشها، ولا ينهار الدولار، لكن شيئًا أكثر أهمية يبدأ بالتبخر بصمت، احتكار الغد .



مواضيع قد تهمك