اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. مصطفى محمد عيروط : الوطن أولًا.. والظلاميون والاقصائيون والناعقون إلى زوال

أ. د. مصطفى محمد عيروط : الوطن أولًا.. والظلاميون والاقصائيون والناعقون إلى زوال
أخبارنا :  

الوطن ليس موقفًا مؤقتًا، ولا شعارًا يُرفع في أوقات الرخاء ثم يُتخلى عنه عند الشدائد؛ الوطن هو الأم والبيت والذاكرة والكرامة والمستقبل. والإنسان الوطني الحقيقي يبقى مع وطنه في السلم كما يقف معه في الحرب، وفي أوقات القوة كما في أوقات الأزمات، لأن الأوطان لا تحتاج أبناءها عندما تكون الأمور سهلة فقط، بل تحتاجهم أكثر عندما تشتد العواصف.

وفي كل مجتمع، وفي كل مرحلة تاريخية، تظهر فئة قليلة من الظلاميين والإقصائيين والناعقين الذين يحاولون نشر السواد، واستغلال أي حادثة أو مشكلة أو اختلاف لترويج الإشاعات والافتراءات والأكاذيب وإثارة الفتن. وقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي لهؤلاء منابر واسعة، فأصبح بعضهم يحاول تحويلها من أدوات للتواصل والمعرفة إلى ساحات للتطاول والتشهير والتحريض وبث الشائعات.

لكن المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي؛ المشكلة فيمن يستخدمها بلا مسؤولية أو ضمير أو وطنية.

لقد أثبت التاريخ أن الأوطان التي تتعرض للأزمات لا يحميها الصراخ، ولا الشائعات، ولا التشكيك، ولا جلد الذات، وإنما يحميها وعي أبنائها ووحدتهم وثقتهم بمؤسسات دولتهم وقدرتهم على التمييز بين النقد المسؤول وبين الهدم المتعمد.


والتاريخ مليء بالأمثلة.


ففي الحرب العالمية الثانية، واجهت بريطانيا خطرًا وجوديًا، ومع ذلك لم تتحول أزمتها إلى مناسبة لهدم الدولة أو تمزيق المجتمع، بل كان التماسك الوطني أحد أهم عناصر صمودها.

وفي الولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية الأمريكية، دفعت البلاد ثمنًا هائلًا بسبب الانقسام، لكن انتهاء الحرب أعاد التأكيد على أن بقاء الدولة ووحدتها أكبر من الخلافات السياسية المؤقتة.

وفي تاريخنا العربي، عندما تعرضت دول وشعوب عربية للعدوان والحروب، كان التلاحم الشعبي والوقوف إلى جانب الوطن هو أحد أهم عوامل الصمود، بينما كان الانقسام الداخلي والاقتتال والتخوين في كثير من الحالات بابًا واسعًا للتدخل الخارجي وإضعاف الدولة.


والدرس التاريخي واضح: حين يضعف الداخل، يجد الطامعون طريقهم إلى الداخل. وحين تتماسك الشعوب، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة الأخطار.

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين المعارضة الوطنية والنقد البناء من جهة، وبين الإقصاء والتحريض والافتراء ونشر الفتن من جهة أخرى.

النقد حق، بل هو ضرورة لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء، لكن النقد لا يعني الكذب، ولا يعني التشهير، ولا يعني الإساءة إلى الدولة أو مؤسساتها أو رموزها، ولا يعني تحويل كل خطأ إلى انهيار شامل، وكل مشكلة إلى مؤامرة، وكل مسؤول إلى متهم.

أما أن يتحول النقد إلى كراهية، والاختلاف إلى تخوين، والرأي إلى شائعة، ووسائل التواصل إلى أدوات لهدم الثقة بالمجتمع والدولة، فهذه ليست حرية مسؤولة، وإنما ممارسة خطرة تضر بالجميع.


إن الظلاميين والإقصائيين والناعقين قلة في أي مجتمع، مهما ارتفع صوتهم ومهما حاولوا إيهام الناس بأنهم يمثلون الأغلبية. والشعوب الواعية والمثقفة والمتعلمة لا تُقاد بسهولة خلف الشائعات، ولا تقبل أن يُسوَّق لها الكذب على أنه حقيقة، ولا أن تتحول مشاعرها إلى وقود للفتنة.

والأخطر أن التاريخ يعلمنا أن الفوضى الداخلية كثيرًا ما تصبح فرصة للقوى الطامعة في الدول وثرواتها ومقدراتها. لذلك فإن حماية الوطن لا تكون فقط بحماية حدوده، وإنما أيضًا بحماية وعي أبنائه، ووحدتهم الوطنية، وثقتهم بمؤسساتهم، وقدرتهم على مواجهة التضليل.


الوطنية ليست لونًا رماديًا عندما يتعلق الأمر بوجود الوطن وأمنه واستقراره.

والوطنية موقف واضح: يمكن أن نختلف، ويمكن أن ننتقد، ويمكن أن نطالب بالإصلاح، ويمكن أن نرفض الخطأ، لكننا لا نتحول إلى أدوات لهدم وطننا بأيدينا.

فالوطني الحقيقي لا يساوي بين وطنه وبين أخطاء عابرة؛ لأنه يعرف أن الوطن أكبر من أي حكومة، وأبقى من أي مسؤول، وأهم من أي خلاف سياسي أو شخصي.


والأردن، مثل كل وطن عزيز، يحتاج في هذه المرحلة إلى وعي وطني لا إلى ضجيج، وإلى نقد مسؤول لا إلى جلد للذات، وإلى إصلاح لا إلى هدم، وإلى وحدة لا إلى إقصاء.

لقد وقف الأردنيون جميعا و تاريخيًا في مواجهة التحديات، وتحملوا أعباء بناء الدولة في ظروف إقليمية صعبة، واستقبل الأردن عبر عقود موجات من اللجوء والهجرة والظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، وبقيت الدولة والمجتمع قادرين على الاستمرار والبناء.


ومن هنا فإن الوفاء للوطن لا يكون بالكلام فقط، وإنما بالموقف والعمل والأخلاق.

وكل مواطن اليوم، بحكم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح قادرًا على أن يكون إعلاميًا ؛ يكتب، ويصور، وينشر، ويؤثر في الآخرين. ولذلك تقع على عاتقه مسؤولية أخلاقية كبيرة: أن يتحرى الحقيقة قبل النشر، وأن يفرق بين الخبر والشائعة، وأن ينشر الإنجاز كما ينشر الخطأ، وأن يدعم الإيجابيات، وأن يمارس النقد البناء، وألا يكون جزءًا من ماكينة إشاعة أو فتنة.


نحن بحاجة إلى مواطن يقول: هذا خطأ ويجب إصلاحه، لا إلى مواطن يقول: كل شيء خطأ ولا شيء يستحق الاحترام.

نحتاج إلى من يرفع مستوى النقاش العام، لا من يخفضه.

نحتاج إلى من يجمع الناس، لا من يقسمهم.

نحتاج إلى من يبني الثقة، لا من يهدمها.

ونحتاج إلى إعلام ومواطنين يمارسون النقد البناء من أجل الإصلاح، لا النقد من أجل الانتقام.


إن الوطن ليس صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن حذفها، ولا حكومة تتغير، ولا مسؤولًا يأتي ويرحل؛ الوطن هو الأرض والتاريخ والناس والجيش والمؤسسات والذاكرة والمستقبل.


ومن يحب وطنه لا يعني أنه يرى كل شيء كاملًا، وإنما يعني أنه يريد لوطنه الأفضل، ويطالب بالإصلاح من داخله، ويحافظ على صورته وكرامته، ولا يسمح لمن يريد استغلال الأخطاء لتحويلها إلى فوضى.

فليختلف الأردنيون مثلا في الرأي، وليتنافسوا في الأفكار، وليحاسبوا المقصر بشكل موضوعي مهني ، وليطالبوا بالإصلاح؛ ولكن ليبقَ الوطن فوق الجميع.

أما الظلاميون والإقصائيون والناعقون وهم قله، فمهما رفعوا أصواتهم، سيبقون أقلية أمام وعي شعب يعرف وطنه، ويعرف تاريخه، ويدرك أن الأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تُحمى بالشائعات، ولا تتقدم بالتخوين.

الوطن أولًا، والوحدة الوطنية أولًا،

والحقيقة أولًا، والنقد المسؤول أولًا… أما الفتنة والكذب والإقصاء والهدم، فلا مستقبل لها في وطن يعرف أبناؤه قيمة الوطن

مصطفى محمد عيروط


مواضيع قد تهمك