اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فاطمة معمر القريوتي : بالعموم

فاطمة معمر القريوتي : بالعموم
أخبارنا :  

كثيراً ما نرى تصريحات لبعض السياسيين في الصباح توحي بعزمهم على اتخاذ موقف حاسم، لكن ما إن يحل المساء حتى يتغير الخطاب، وتأتي النتيجة بموقف مغاير تماماً للتوقعات التي بنيت على تصريح أول النهار.. .


هذا المشهد المتكرر يثبت أنه في عالم السياسة المعاصر، لم تعد البلاغة مجرد أداة للإقناع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فن لتوزيع الأوهام....!


ولعل أبرز تجليات هذا الفن ما يمكن تسميته بـ "الخطاب الحربائي"، حيث يجيد بعض القادة والسياسيين التحدث بلسانين متناقضين في آنٍ واحد، مستغلين تبدل الظروف وحسابات المصالح لاسترضاء جبهات متعارضة...!


هذه الممارسة تتجاوز مفهوم المداراة الدبلوماسية، لتسقط في فخ "الازدواجية البراغماتية الفاقعة" ...


هنا، لا يكتفي السياسي بتعديل نبرة صوته، بل يعمد إلى "صياغة خطابه على مقاس الحاضرين، استرضاءً للجهة التي يحاول الظفر برضاها"، فيعيد تشكيل جوهر الموقف تماماً ليتناسب مع هوى الجمهور الحالي....


مثال للتوضيح : (في الموقف (أ) يُلقي خطاباً يفيض حدة وتشدداً ليضمن ولاء جبهة معينة، وفي ذات الوقت، ومن الموقف (ب)، يرتدي عباءة التهدئة والمرونة ليضمن كسب الطرف الآخر....)!!!!


وتتجلى هذه الحربائية السياسية في أبهى صورها خلال المواسم الانتخابية و ما بعدها، كما في المنابر السياسية و مهرجانات الاستعراض، و في الأزمات الكبرى ؛ فذات السياسي الذي يعتلي منبراً شعبياً ليشحن الجماهير بلغة حماسية تفيض بالوعود الوردية والخطوط الحمراء، تجده في ذات المساء يجلس في صالون مغلق بعيداً عن الأضواء، ليقدم صياغات مرنة وتنازلات مبطنة تطمئن مراكز القوى والمال، في محاولة بهلوانية لإرضاء النقيضين معاً...!


إنها عملية مستمرة من "المداهنة السياسية" و حفظ ماء الوجه أمام جميع الأطراف ، يُساق فيها الكلام لا لبناء مواقف صلبة، بل لتجنب الصدام مع أي طرف....


يعتقد هؤلاء السياسيون أن تباعد الأمكنة أو تبدل الأوقات كفيل بحجب التناقض، لكن في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، أصبحت هذه اللعبة مكشوفة؛ فما يُقال همساً في صالون مغلق أو تحت قبة برلمانية يتردد صداه فوراً كصراخ في الساحات العامة.... .!


ولحماية الوعي من هذا التلاعب الممنهج، يقع العبء الأكبر على المتلقي؛ إذ لم يعد كافياً الاستماع إلى ما يقوله السياسي أمامه، بل يجب مراقبة ما يقوله "في غيابه" وللآخرين....


إن بناء موقف فكري صحيح يتطلب التحرر من العاطفة اللحظية، ومحاكمة السياسي بناءً على سيل مواقفه المتكاملة وفحص التناقضات بين خطاباته الموجهة لبيئات مختلفة... .


المعيار الحقيقي ليس بلاغة الكلمات المعسولة التي تداعب الآذان، بل الأفعال على أرض الواقع والثبات على المبدأ؛ فالمتلقي الذكي هو من يرفض أن يكون مجرد رقم في جبهة يتم استرضاؤها بشعارات مؤقتة... .


في النهاية، هذا "الخطاب ذو الوجهين" قد يخدم مصالح السياسي المؤقتة ويحمي مكتسباته، لكنه يمثل استنزافاً حقيقياً لرصيد الثقة وموتًا تدريجيًا للمصداقية. فالسياسي الذي يحاول إرضاء الجميع بوعود متناقضة، ينتهي به المطاف وقد خسر احترام نفسه قبل احترام الجميع....


مواضيع قد تهمك