أ.د. هيثم العقيلي المقابلة : سرديات وطنية
مهمة الثقافة هي حماية وعي المواطن من السرديات الضارة و تعزيز ثقته بالدولة و مؤسساتها لكن هذا المفهوم تراجع او غاب في الاردن لاسباب اهمهما ان قيادة المؤسسات الثقافية يتم التعامل معها ترضية و اكمال للنصاب و ثانيها فهم مغلوط للثقافة بمفهومها الشامل و حصرها بالادب و الفنون و بعض المظاهر الشكلية.
الثقافة في مفهومها الحقيقي هي صياغة الية تفكير المجتمع و تعزيز شرعية الدولة التاريخية و الدينية لتكون سدا في وجه سرديات التيارات الاخرى. هذا يستدعي ان تكون الثقافة هي العمود الفقري للهوية و المدنية و الحضارة اي انها تتعامل مع التراث المادي و غير المادي و الشرعية التاريخية و تتعامل مع الية التفكير الحالية و تصور المجتمع للصديق و العدو و الحليف و المنافس و تتعامل مع مشروع الدولة و المجتمع المستقبلي الذي تصبو اليه او النموذج الذي تريده.
تقوم اي دولة على عاملين مترابطين، العامل الثقافي (آلية التفكير و تصور المجتمع لنفسه و علاقة الثقة بين الدولة و المجتمع) و العامل الاقتصادي (آلية الانتاج و العوامل المادية و المعيشية). نجد اليوم في الحكومات فريق اقتصادي لكن لا نجد فريق ثقافي اي ان هنالك عاملا من قوة الدولة مبتورا. هذا العامل المهمش هو المسؤول عن اظهار شرعية الدولة التاريخية و الفكرية و هو المسؤول عن تشكيل ثقافة المجتمع و حماية وعيه من السرديات المعادية.
نجد اليوم اسئلة حائرة على مستوى المجتمع لن يجيب عليها الا فهم شامل للثقافة. من هذه الاسئلة ما هي هوية الاردن و ما هي ثقافته و كيف ندمج الاصول المختلفة لتغني النسيج الاجتماعي و كيف نمنع تعدد الهويات.
اسئلة أخرى أخطر من ذلك كيف يختطف الوعي الاجتماعي لصالح تيارات الاسلام السياسي و اليسار و الليبرالية و تيارات اخرى، اين غاب تيار الوطن و الدولة في تشكيل الوعي الاجتماعي ولا اقصد هنا الشعارات بل الوعي العميق خلف الكاميرات في السر.
اسئلة اخرى كيف نمتلك ثقافة معتدلة و ارث عشائري و رسالة هاشمية و لا نمتلك قوة ناعمة عابرة للحدود تشكل سرديات الجوار بدل ان نقف نتلقى السرديات المشوهة و نقف موقف الدفاع.
عندما أفكر في ما نمتلكه من مقومات ثقافية ارى اننا الاقدر لقيادة نموذج ثقافي شرق عربي و مع ذلك اجد اننا غائبون لانعدام المشروع و انعدام كفاءة و رؤية القيادات الثقافية او قد يكون كما يدعي بعضهم انهم مهمشين محددين.
نمتلك عمق تاريخي من تراث مادي ضخم و تراث غير مادي من القيم و العادات و التقاليد و مخزون من الكرامة و العزة و نمتلك شرعية هاشمية و شرعية دينية و شرعية عروبية و شرعية عشائرية و شرعية دولة مؤسسات وطنية و نمتلك القدرة الاعلامية لايصال رسالتنا و نمتلك القدرات العلمية لصياغة الوعي و الية التفكير و نمتلك هامشا من الحرية و ان كان تضاءل في السنوات الاخيرة لكن حرية التفكير ليس عليها قيد. نمتلك شعورا وطنيا قويا و نمتلك انتاج علمي و ثقافي و فني يحتاج للتطوير. نمتلك رسالة عمان و نمتلك مزيج عجيب من المحافظة و الليبرالية دون تعصب. نمتلك عادات الكرم و التسامح و قبول الآخر و نمتلك ارثا انسانيا في مساعدة الآخرين من اشقاء و اصدقاء و غرباء دون منه او مصلحة.
نمتلك كل ما سبق و لا نمتلك نموذجا ثقافيا رائدا مؤثرا يمثل قوة ناعمة لا بل ان الانكى اننا تركنا فراغا تتسرب منه السرديات الموجهة و غير الموجهة التي تضعف الثقة بين المجتمع و الدولة و تضعف ايمان الافراد بهويتهم و تفسد المزاج العام.
آن الاوان لتغيير كل القيادات الثقافية في الاردن و زرع قيادات جديدة تحمل مشروعا اردنيا متكاملا قادر ان يعزز اللحمة الداخلية و التأثير في المحيط و مجابهة اي سرديات معادية و قادر ان يعزز الشرعية التاريخية للاردن و للهاشميين.