اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : ما حاجتنا للذكاء الاجتماعي؟

القس سامر عازر : ما حاجتنا للذكاء الاجتماعي؟
أخبارنا :  

القس سامر عازر



كثيرًا ما نتحدث عن الذكاء، ونربطه بدرجات التحصيل العلمي، والشهادات الجامعية، والقدرة على الحفظ والتحليل والاستنتاج وحل المشكلات. ولا شك أن هذه كلها صور مهمة من صور الذكاء، وأن العلم والمعرفة ركيزتان أساسيتان في بناء الإنسان ونجاحه. لكن يبقى سؤال مهم يفرض نفسه: هل يكفي أن يكون الإنسان ذكيًا في علمه، إذا كان عاجزًا عن فهم الناس والتعامل معهم؟ وهل تكفي الشهادة العالية إذا لم يمتلك صاحبها القدرة على التواصل والإنصات وفهم مشاعر الآخرين؟


من هنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ الذكاء الاجتماعي، وهو من أنواع الذكاء التي قد لا تظهر في قاعات الامتحانات، لكنها تظهر بوضوح في قاعات الحياة.

فالذكاء الاجتماعي هو قدرة الإنسان على فهم الآخرين، وقراءة مشاعرهم واحتياجاتهم، وحسن التواصل معهم، والتعامل معهم بوعي واحترام وحكمة، واختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب، وبناء علاقات إنسانية متوازنة وإيجابية.


وليس المقصود به أن يكون الإنسان كثير الكلام أو بارعًا في المجاملات، بل أن يعرف كيف يتعامل مع الإنسان الذي أمامه، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينصت، ومتى يقدم النصح، ومتى يترك للآخر مساحة ليعبّر عن نفسه.


فالإنسان قد يكون واسع المعرفة، لكنه يفتقر إلى الحكمة في التعامل. وقد يكون متفوقًا في تخصصه، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع زملائه أو مرؤوسيه أو من يطلبون خدمته. وقد يكون صاحب منصب رفيع، لكنه يخسر الناس بسبب كلمة قاسية أو أسلوب متعالٍ أو عجز عن الإصغاء.


وهنا نقول: إن العلم يرفع مستوى معرفة الإنسان، أما الذكاء الاجتماعي فيرفع مستوى علاقته بالإنسان.

والحياة في جوهرها ليست معلومات ومعارف فقط، بل هي علاقات وتواصل ومسؤوليات ومواقف. نحن لا نعيش منفردين، وإنما نعيش وسط عائلة ومجتمع ومؤسسة ومدرسة وجامعة ومكان عمل، وفي كل هذه الدوائر نحتاج إلى أن نفهم بعضنا بعضًا، وأن نحسن التعامل مع الاختلاف، وأن نتعلم فن الحوار، وأن نعرف كيف نحافظ على كرامة الإنسان حتى عندما نختلف معه.


ولهذا فإن الذكاء الاجتماعي ليس ترفًا ولا مهارة ثانوية، بل هو ضرورة حياتية لا غنى عنها. وقد يظن البعض أن الذكاء الاجتماعي صفة موروثة؛ فهناك أشخاص يبدو أنهم منذ طفولتهم أكثر قدرة على الحديث مع الآخرين، وفهم مشاعرهم، والدخول في علاقات ناجحة. وهذا صحيح إلى حد ما، إذ قد تكون لدى بعض الناس استعدادات شخصية تساعدهم على ذلك، لكن الذكاء الاجتماعي ليس موهبة مغلقة لا يمكن اكتسابها. إنه أيضًا مهارة يمكن تعلمها وتنميتها بالممارسة والخبرة والوعي بالنفس وبالآخرين.


فالإنسان يجب أن يتعلم أن ينصت بدل أن يقاطع، وأن يسأل بدل أن يفترض، وأن يفهم قبل أن يحكم، وأن يختلف دون أن يجرح، وأن ينتقد الفكرة دون أن يهين صاحبها، وأن يعتذر عندما يخطئ، وأن يشكر عندما يستحق الآخر الشكر. وهذه كلها ليست أمورًا فطرية بالضرورة، وإنما هي فضائل ومهارات تنمو مع التربية والخبرة والنضج.


والأجمل أن الإنسان يستطيع أن يبدأ بتطوير ذكائه الاجتماعي في كل مرحلة من مراحل عمره، لأن كل علاقة إنسانية يمكن أن تكون مدرسة، وكل موقف يمكن أن يكون فرصة للتعلم، وكل خطأ في التعامل يمكن أن يتحول إلى درس إذا امتلك الإنسان شجاعة مراجعة نفسه.


ونحن بحاجة إلى الذكاء الاجتماعي في كل المهن وكل مناحي الحياة. الطبيب لا يحتاج إلى علم الطب فقط، بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يطمئن مريضًا خائفًا، وكيف يخاطب عائلته، وكيف يوصل الحقيقة بلغة إنسانية. والمعلم لا يكفي أن يكون متمكنًا من مادته العلمية، بل يحتاج إلى فهم طلابه واختلاف شخصياتهم وقدراتهم وظروفهم. ورجل الدين لا يكفي أن يعرف النصوص والتعاليم، بل يحتاج إلى قلب يسمع، وعقل يفهم، ولسان يعرف متى يقول الكلمة التي تشفي ولا تجرح.


وكذلك المسؤول والقائد والمدير والمهندس والمحامي والصحفي والموظف والتاجر والعامل؛ كل واحد منهم يتعامل مع الإنسان، ولذلك فإن نجاحه لا يتوقف على كفاءته المهنية وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرته على التواصل وبناء الثقة وإدارة الاختلاف.

وقد يملك الإنسان أعلى الدرجات العلمية، ويحمل أرفع الشهادات، ويكون متميزًا في تخصصه، لكنه قد يفشل في حياته العملية إذا لم يعرف كيف يتعامل مع الناس. فليس كل من يعرف كيف ينجز العمل يعرف كيف يتعامل مع الإنسان الذي يشاركه العمل.


وهنا تتضح العلاقة بين الذكاء العلمي والذكاء الاجتماعي. نحن لا نحتاج إلى أن نضعهما في مواجهة بعضهما بعضًا؛ فالأفضل أن يجتمعا في الإنسان. العلم بلا إنسانية قد يتحول إلى جفاف، والذكاء الاجتماعي بلا علم قد يتحول إلى مهارة بلا مضمون. أما حين يجتمع العلم مع الحكمة، والمعرفة مع التواضع، والكفاءة مع حسن التعامل، فإن الإنسان يصبح أكثر قدرة على خدمة نفسه ومجتمعه والإنسان من حوله.


ومن أجمل ما يميز الإنسان الذكي اجتماعيًا أنه لا ينظر إلى الناس من برج عالٍ، بل يعرف أن لكل إنسان قصته وظروفه وأوجاعه وتجربته. لذلك لا يتسرع في إصدار الأحكام، ولا يختزل الناس في موقف واحد، ولا يجعل اختلاف الرأي سببًا للخصومة أو القطيعة.

فالذكاء الاجتماعي يبدأ في كثير من الأحيان من الإنصات. وربما كان الإنسان في حاجة إلى أذنين أكثر مما هو في حاجة إلى لسان؛ لأن كثيرًا من الناس لا يبحثون دائمًا عمن يعطيهم الحلول، بل عمن يسمعهم ويفهمهم ويشعر بهم.


لذلك، فإننا بحاجة إلى أن نربي أبناءنا وطلابنا وشبابنا على نوعين من النجاح: نجاح في المعرفة، ونجاح في الحياة مع الآخرين. نريد طبيبًا بارعًا وإنسانًا رحيمًا، ومهندسًا مبدعًا وإنسانًا متعاونًا، ومديرًا ناجحًا وإنسانًا يحترم من يعملون معه، ورجل دين عالمًا وإنسانًا يعرف كيف يقترب من الناس ويستمع إلى آلامهم.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من أصحاب الشهادات فحسب، بل يحتاج إلى أصحاب الشهادات الذين يعرفون قيمة الإنسان. فالذكاء الحقيقي ليس أن تعرف أكثر من الآخرين فقط، بل أن تعرف كيف تجعل معرفتك نافعة للآخرين.


تلك هي الحاجة إلى الذكاء الاجتماعي: أن نعرف كيف نكون أكثر إنسانية ونحن أكثر علمًا، وأكثر تواضعًا ونحن أكثر نجاحًا، وأكثر قربًا من الناس ونحن أكثر معرفة.


مواضيع قد تهمك