اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. صالح سليم الحموري : هل ما زلنا نعبد الأصنام؟

د. صالح سليم الحموري : هل ما زلنا نعبد الأصنام؟
أخبارنا :  

قد يبدو السؤال صادمًا: هل ما زلنا نعبد الأصنام؟


ربما كانت الإجابة الأولى: بالطبع لا.


لكنني لا أتحدث عن أصنام من حجر، بل بوصفه استعارة عن نوع آخر أكثر خفاءً: أفكار صنعناها، وإجراءات ابتكرناها لخدمتنا، ثم طال عليها الزمن حتى نسينا لماذا وُجدت، فتحولت من أدوات نستخدمها إلى مسلّمات نخشى الاقتراب منها.


إنها أصنام الفكر والإدارة والعادات المؤسسية.


في مؤسساتنا، كم إجراءً ننفذه ولا يعرف أحد لماذا وُجد؟ وكم توقيعًا نطلبه لأن "النظام هكذا"؟ وكم تقريرًا نعدّه ولا نعرف من يقرأه؟ وكم اجتماعًا نعقده لأن موعده في التقويم، لا لأن هناك قرارًا يستحق الاجتماع؟


هذه أيضًا أصنام.

والأغرب أننا حين تدخل التكنولوجيا، لا نحطم الصنم بالضرورة؛ أحيانًا نصنع له نسخة إلكترونية. نحوّل النموذج الورقي إلى PDF، والطابور إلى منصة، وعشر موافقات ورقية إلى عشر موافقات إلكترونية، ثم نعلن أننا أنجزنا التحول الرقمي.


لقد غيّرنا شكل الصنم… وأبقينا الصنم.

وهنا تظهر قيمة تجربة دبي: ليس في رقمنة الإجراءات القديمة فحسب، بل في الجرأة على السؤال عمّا إذا كانت هذه الإجراءات تستحق الوجود أصلًا.


فدبي لم تكتفِ بالحديث عن المستقبل، بل اختارت أن تمارسه، وأن تثبت أن المستقبل لا تصنعه الأقوال، بل الأفعال. إنها "دبي الأفعال "Dubai-it


الفكرة ليست أن نُرقمن كل إجراء، بل أن نسأل أولًا: لماذا يحتاج المتعامل إلى هذه الخطوة أصلًا؟ ولماذا نطلب هذه الوثيقة؟ ولماذا يحتاج إلى مراجعة هذه الجهة أو تلك؟ وهل يمكن للحكومة أن تنجز الأمر دون أن تطلب من الإنسان معلومة تعرفها أصلًا؟


هذه العقلية تنقلنا من حكومة تُحسّن إجراءاتها إلى حكومة تمتلك الجرأة على التشكيك في ضرورة الإجراء نفسه.


ومن هنا نفهم تصفير البيروقراطية بصورة أعمق. فالتصفير لا يعني حذف الأوراق فحسب، بل يمثل ثقافة تقول:

لا تدافع عن الإجراء لأنه موجود؛ أثبت أنه يستحق البقاء.


وهذا هو كسر الأصنام الإدارية.


لكن الأصنام لا تسكن الإجراءات وحدها؛ بعضها يسكن الفكر الإداري نفسه: الاعتقاد بأن المدير يجب أن يعرف كل شيء، وأن الموظف الجيد هو الأكثر بقاءً في المكتب، وأن كثرة الاجتماعات دليل اهتمام، وطول التقارير دليل عمق، وأن الخطأ يعني الفشل، وأن ما نجح بالأمس سيظل صالحًا للغد.


هذه الأفكار ربما خدمت زمنًا مختلفًا، لكنها لا تستحق الحصانة من السؤال.


فنحن نعيش زمن الذكاء الاصطناعي، والبيانات الفورية، والفرق الرشيقة، والخدمات الاستباقية. والمؤسسة التي تُدخل أدوات المستقبل بعقلية الماضي تشبه من يضع محرك طائرة في عربة قديمة، ثم يتساءل لماذا لا تطير.


ولعل هذا هو الدرس الأعمق: الجرأة على عدم تقديس الطريقة القديمة.


لكن هنا يجب أن نتوقف عند تمييز مهم.

ليس كل قديم صنمًا، وليس كل جديد تقدمًا.


هناك قيم تزداد أهميتها مع الزمن: النزاهة، والعدالة، والمسؤولية، واحترام الإنسان. المشكلة تبدأ عندما نخلط بين القيمة والعادة، وبين المبدأ والإجراء.

القيم نحافظ عليها.

أما الإجراءات فنستجوبها باستمرار.


فالاستقرار في القيم لا يعني الجمود في الوسائل، والوفاء للمبادئ لا يعني الوفاء لإجراءات انتهت صلاحيتها.

ولعل كل قائد يحتاج، من حين إلى آخر، إلى أن ينظر إلى مؤسسته كأنه يراها للمرة الأولى، ويسأل أمام كل إجراء واجتماع وتقرير وموافقة:

لماذا؟


هل ما زلنا بحاجة إليه؟


ماذا سيحدث لو ألغيناه؟


ولو بدأنا اليوم من الصفر، هل كنا سنفعله بالطريقة نفسها؟


قد تبدو أسئلة بسيطة، لكنها ربما تكون المطرقة التي نحتاجها لتحطيم أصنام الإدارة الحديثة.


فأخطر أشكال البيروقراطية ليست كثرة الإجراءات وحدها، بل الإجراءات التي لم يعد أحد يجرؤ على السؤال:


لماذا ما زالت موجودة؟


وأخطر الأصنام ليست تلك التي تُنصب أمام أعيننا، بل تلك التي نقيمها داخل عقولنا، ثم ننسى أننا نحن من صنعها.

وإذا كانت دبي قد علمتنا شيئًا، فهو أن المستقبل لا تصنعه الشعارات، بل الأفعال.


ولا يكفي أن نُدخل المستقبل إلى مؤسساتنا… علينا أولًا أن نُخرج منها الماضي الذي لم يعد له سبب للبقاء.





مواضيع قد تهمك