د. حمد الكساسبة : الأردن والصين: نحو قيمة اقتصادية أعمق
مع توجه جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في زيارة دولة، تبرز فرصة للنظر إلى العلاقة الاقتصادية بين البلدين من زاوية تتجاوز حجم التجارة والاستثمار. فالزيارة تأتي في وقت يعاد فيه ترتيب مسارات التجارة وسلاسل الإمداد إقليمياً وعالمياً، وأصبحت قدرة الاقتصادات على الاندماج في شبكات الإنتاج والأسواق عاملاً مهماً في تحديد قدرتها التنافسية. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن أن تتحول العلاقة مع الصين إلى قدرة أكبر للاقتصاد الأردني على الإنتاج والتصدير والمنافسة؟
هناك قاعدة مهمة للبناء عليها. فحجم التجارة الثنائية يتجاوز 6 مليارات دولار، فيما يناهز حجم الفرص التصديرية الأردنية غير المستغلة في السوق الصينية 400 مليون دولار. لكن حجم التجارة، على أهميته، لا يكفي وحده لقياس أثر العلاقة. الأهم هو ما يتحول منها إلى إنتاج محلي، وصادرات، ومعرفة، ومهارات، وفرص جديدة للشركات الأردنية. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: في ما يبقى داخل الاقتصاد ويمكن البناء عليه مستقبلاً.
وهذا يجعل نوع الاستثمار أكثر أهمية من حجمه وحده. فهناك استثمار يضيف رأس مال ونشاطاً جديداً، وآخر يضيف إلى ذلك تكنولوجيا ومهارات وفرص تصدير وروابط مع الموردين المحليين. النوع الثاني يترك أثراً أطول، لأنه لا يتوقف عند حدود المشروع، بل يوسع ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه، ويمنح الشركات المحلية فرصة للدخول في أسواق وسلاسل إنتاج أكبر. كما يتيح البناء على حضور استثماري صيني قائم الانتقال من مشروعات منفردة إلى استثمارات أكثر ترابطاً مع الإنتاج المحلي والأسواق، بما يوسع القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الأردني. وتكتسب هذه الفرصة وزناً إضافياً مع ما تمتلكه الصين من قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة وشبكات توريد ممتدة، بما يتيح للعلاقة أن تتجاوز تدفق التجارة ورأس المال إلى بناء روابط إنتاجية أكثر عمقاً داخل الأردن.
ولتحويل هذه الإمكانات إلى أثر اقتصادي ملموس، تصبح جودة الاختيار أهم من اتساع الفرص. فالأولوية هي للمجالات التي يستطيع الأردن أن يبني حولها قدرات متراكمة وميزة قابلة للاستمرار. والمشروع يصبح أكثر أهمية عندما تنشأ حوله خدمات وموردون ومهارات وأنشطة جديدة. ومع تراكم هذه الروابط، يتحول الاستثمار من منشأة منفردة إلى جزء من منظومة إنتاجية أوسع ترفع قدرة الاقتصاد على النمو والتخصص.
في المقابل، يمتلك الأردن عناصر يمكن أن تمنحه دوراً أكبر من حجم سوقه المحلي. فالموقع، والعقبة، والاتفاقيات التجارية، والمناطق الصناعية، والكفاءات البشرية، والبنية الرقمية يمكن أن تشكل معاً عرضاً اقتصادياً متكاملاً. فالميزة ليست في مرور السلع عبر الأردن فقط، بل في ما يمكن أن ينشأ حول هذا الموقع من إنتاج وتخزين وتوزيع وخدمات وتصدير. الموقع يصبح أكثر قيمة عندما يتحول إلى وظيفة اقتصادية.
وتزداد أهمية هذه الفكرة في وقت تعيد فيه الشركات توزيع بعض مواقع الإنتاج والتوريد. فحين تستقر منشأة في موقع ما، تبدأ حولها شبكة من الموردين والخدمات والمهارات، ويصبح الانتقال منها لاحقاً أكثر كلفة. وفي خريطة اقتصادية إقليمية تتشكل من جديد، تكمن الفرصة في أن يحجز الأردن لنفسه مكاناً داخل هذه الشبكات، بحيث يصبح الاستثمار الأول مدخلاً لاستثمارات وأنشطة أخرى، لا مشروعاً قائماً بذاته.
وفي مثل هذه المباحثات، يدرك الأردن أن قيمة الاستثمار لا تُقاس بحجمه فقط، بل بما يضيفه من مكوّن محلي، وتصدير، ونقل معرفة، وتدريب، وربط للشركات الأردنية بسلاسل التوريد. فهذه التفاصيل هي التي تحول الاستثمار من رقم إلى قدرة اقتصادية تتراكم مع الوقت. وتزداد هذه القيمة عندما لا يبقى المشروع منفصلاً عن الاقتصاد المحلي، بل يخلق طلباً على خدمات ومدخلات أردنية، ويرفع معايير الإنتاج لدى الشركات المرتبطة به، ويفتح لها أسواقاً جديدة. عندها يمتد الأثر من المشروع نفسه إلى قطاعات أخرى، ويتحول الاستثمار إلى رافعة أوسع للإنتاجية والتنافسية.
وتبرز إلى جانب ذلك كفاءة التنفيذ كعامل تنافسي مهم في جذب الاستثمار. فالمستثمر لا يقارن بين الكلفة والحوافز فقط، بل ينظر أيضاً إلى وضوح المسار الاستثماري، وجاهزية المواقع، وسهولة الانتقال من الفكرة إلى التشغيل. وهذه عناصر يستطيع الأردن توظيفها لتعزيز جاذبيته الاستثمارية، بحيث تتحول الفرص إلى مشروعات منتجة ترتبط ببقية الاقتصاد وتترك أثراً قابلاً للاستمرار.
لهذا، فإن البعد الأهم في العلاقة الاقتصادية الأردنية–الصينية لا يتعلق بزيادة التجارة وحدها، بل بما يمكن أن تضيفه هذه العلاقة إلى قدرة الاقتصاد الأردني. فإذا دعمت استثمارات منتجة، ونقلت معرفة، ووسعت قاعدة الموردين المحليين، وربطت الموقع الأردني بشبكات إنتاج وأسواق أوسع، تكون العلاقة قد أضافت مستوى أعمق من القيمة الاقتصادية. وعندها يصبح السؤال الأهم ليس فقط كم نتاجر، بل ماذا أضافت هذه العلاقة إلى ما يستطيع الأردن إنتاجه وتصديره والمنافسة به؟