احمد سلامة : د. مالك .. الحاضر في ظل الغياب
مرة اخرى نحن أمة لا نتقن فن الوداع.. ولا يعنينا الا القادم، وهذا شيء جديد علينا، إذ أن (الأمة الأردنية) كتعبير سام عن أمة العرب قد اصطنعت لنفسها ثقافة خاصة للوداع الحنون..
أمس بمحض المصادفة خطر على بالي الصديق الدكتور مالك خريسات؛ فهاتفته، وعلى غير عادته على طول كل علاقتنا، لم يجب!!
وفي المساء علمت بخبر (خروجه من الوطيفة)..
حزنت !؟
والله اني حزنت كثيرا، ليس بسبب خروجه ولكن لاني اعرفه…
سابدأ من البعيد البعيد، لادرك روح (مالك خريسات) التي اعرف ان ما يثقلها هو سر خفي الان..
للسلط في النفس اشياء لا تعوض ولا تشرح بل اني احس بها، ومن يعرفها سيدري عن الذي سأقوله..
في الحياة، الاوائلية مهمة لاي نفس بشرية، اول هدية، اول قبلة، اول حب، اول نجاح، اول ركوب الطائرة، اول الوظيفة، اول الغربة.. واول الاماكن، هذه اشياء كاول كتاب، تدرك روح الانسان ولا تبرح في تأثيرها الروح لحظة واحدة، اي انها تصير جزءا من وجداننا..
والسلط لها حصة في وجداني كمكان عبقري. السلط مكانها زعيم، فهي تتدلى على فلسطين قناديل عز وهي اول ملامس لعمان مدينتنا الابدية وهي بلد الزبيب والشيخة واكرام الضيف والاعلاء من شأن الحبيب!!
اجتاحت القلب كبوابة للكرم والجود
عام ١٩٧٢م كنا ثلاثة على بوابات الحياة، حين بدأت رحلتنا مع الجوري وياسمين عبدالسلام المجالي في الجامعة الاردنية، ودموع عبدالكريم خليفة وهو يحكي لنا الاندلس المحنة والادب..
كان صالح الزيودي، قد جاءها من شرق بني حسن، وعلي الفزاع، من زي، الزبيب والطيب والعنب. وثالثهم كنت انا القادم من وراء غيم الاحتلال الغبي القبيح، الذي لم يكن بعد قد نهش لحم ارضنا كما الان.
جئتها من مغاريب نابلس.
ما الذي جمعنا. لست ادري!! لكن الحب هو الذي ابد علاقتنا حتى كل خلجة في حياتنا..
وذات ضحى يوم اثنين، قال علي الفزاع لنا في كسدورة الصباح (انا معزبكم الخميس) منسف في زي وكان اول عهدي بالمنسف، صحيح انني عرفت اكلة (المليحية) من تحت يدي زوجة عمي الحاجة صيتة العبيني، يرحمهما الله في سال قبل منسف (ابو هشام يرحمه الله) لكن المنسف كخروف بهيج يسر الناظرين كان في قاع تلك اللزابة في زي ووالد علي الفزاع هو من اشرف على إعداده وابتعد مخليا لثلاثتنا (المراح)!!
من هناك بدأ تدفق السلط للقلب عرفت مقهى المغربي، وكتبت من اجمل ما كتبت نقدا مرا للحكومة حين هدمت (تحقيقا صحفيا ذاع ذكره) واستمتعت لحوارات عزيز جاسر العذبة مع سيدنا الحسين ومع سيدي حسن.. وتعلمت في بيت مروان الحمود (ابو العبد) المروءة والصبر
وتقدير الرجال..
كنت هناك عام ١٩٨٩م حين هل زيد الرفاعي على العيزرية مهنئا بنجاح الشيخ ابو العبد.. يومها لعلع رصاص العربيات حد العز وكان عبدالله الحمود شقيق الشيخ اكثرهم طغيانا في الرمي وفرحا في الاطلاق..
وبحكمة محمود الكايد وشغفه في التفاصيل. رأيت عيون السلط في رجالاتها، ما بخل علي يرحمه الله ابو العزم ابدا في تقديمي وتعريفي بالرجال الذين كانوا يمرون على الراي، رأي المؤازرين المعجبين بابنائها وبنائها (من الدكتور محمد العمايرة العالم اللغوي، فسمير الحياري المهني المشاكس الذي يجمع الماء للسر فيخلطهما بمرونة العاشق، وبدر عبد الحق الكاتب العذب، وفخري قعوار واحمد المصلح وغيرهم وغيرهم)
تعرفت على محمد رسول في مكتب ابو العزم! وقدمني لـ نذير رشيد، وتعرفت على فارس النابلسي، وابو توفيق (حمدي ابو السمن) وعبد الرزاق النسور، وزهير الذوقان، وسليمان العواد..
كانت السلط احدى منارات الحب قبل ان تكون منارة علم..
وذات يوم انتقلت رئاسة بلدية السلط الى تربوي مهيب هاديء مثل اول الوادي امتطى صهوة البلدية المرحوم (ابو ايمن) الاستاذ هاني خريسات..
ارجو الله ان تسعفني ذاكرتي لاستذكار ما كان.. لا اريد العودة لاي مرجع سوى الذاكرة فهي لم تزل عندي حارسة الجمال الذي هو فينا..
احب ان اتوهم ان اخر زيارة للمرحوم سيدنا الحسين الى السلط كانت ابان رئاسة (الاستاذ هاني خريسات) للبلدية… وربما ان عريف الحفل كان الاستاذ هاشم القضاة، وعلى ضوء ما استحسن من قوله امر سيدنا بان يتبوأ موقعا اعلاميا لكن مداخلة حصلت بمحض الصدفة جعلته مديرا عاما للبريد الوطني، وتلك قصة من نوادر الوظائف في الاردن!!
عرفت العم الاديب (ابو ايمن) هاني خريسات بحكم عملي في ذلك الزمن في الديوان الملكي الهاشمي العامر.. وكان نعم من عرفت لكن لم اتشرف بولده استاذ القانون الاردني البهي الا بعد ١٤ عاما من ذلك عرفت الدكتور مالك هاني خريسات!!
واين عرفته !؟ في مملكة البحرين الشقيقة
لا يصح ان اقول ان معرفة الغربة امتن واشد من التعارف داخل الوطن لانه لا (مالك) احس بغربة في البحرين، وكذلك انا..
عرفته نضرا ووطنيا وتجميعيا وحريصا على كل ما هو اردني من الاغنية الى المنسف ومن الامن الى الحنين للوطن.. كان صفات لهذا (الخريسي) ابن المربي الفاضل السلطي البهي..
كنا اربعة في عين العاصفة حين داهمنا الربيع العربي باشد حلقاته قسوة ومكرا ونحن هناك في البحرين كان الاخ العزيز ابن عدوان (ابو عزيز) ممسك في دفة الامن، والمرحوم د احمد الطراونة، على تخوم وزارة الداخلية ووزيرها، واكثرهم صبا ومرحا وديناميكية كان الدكتور مالك خريسات، مستشار وزير الداخلية المتداخل مع العائلة المالكة واستاذ قانون له تلامذته وحوارييه والمتفقد لكل اردني
وكان رابعهم الدكتور محمد ناجي عمايرة، الذي يشرف على دفة الاعلام في الديوان الملكي هو والمستشار نبيل الحمر…
لقد انضممت الى فريق البحرين كاخر عاشق لتلك الديار العربية، وكنا (الخلية الاردنية العربية الاسلامية) وما ضننا على بعض امتنا هناك
باي شيء حد الاقتراب بالتضحية بالروح فدوى العروبة والعرب..
لقد كان بوابة الصد (الاخ محمد العدوان) الذي اكرم بالتقاعد عقب انتهائه من مهمته.. وتبعه الان الاخ الغالي مالك خريسات في احالته عن موقعه ايضا محافظا لجرش !!
لا احزن حين يتنحى فارس عن فرسه في بلادنا.. فالاحرار لا يتقاعدون والفرسان يمسكون على سيوفهم ويكملون القتال دون حاجتهم الى افراس.. ومالك هو واحد في قلب القلب من فرسان الاردن.. فانا اعرف مالك واعرف حظوة مالك خارج اطر الحكومة الراهنة في الاردن وفي خارج الاردن
مالك .. كان في موقعه الانسب محافظا لجرش ذلك ان (ابو عيسى) شاعر مجلي صحيح انه (يباكس العروض) احيانا لكن حسه الشعري بوميض بلقاوي رفيع. وهو وسيم الطلة مثقف عاشق للوعي وللشعر ومحب للكتاب حد السدانة..
وكذلك هو استاذ في القانون يعرف حقوق الناس ويعرف واجبهم..
كانت جرش بحاجة الى مالك عشر سنوات قادمات.. لكن في بلادنا دوما يقال الحكومة على حق وهي ترى اكثر مما نحن نرى!!
واضيف الحكومة مثل الجلطة لا يحزر عليها.. لكن اجمل ما لدينا ان الحكومة ليست في منأى عما تفعله بالاخرين ويجوز ان نذكرها بالحكمة الابدية (مثلما تعامل تعامل / بفتح الميم)
لم يخسر مالك خريسات حين غادر مكتبه في محافظة جرش بل الناس خسرته وانا لي موطئي حب في المحافظة ومطل على التفاصيل ليس كالحكومة طبعا.
والعدالة خسرت لان الحاكم الاداري حين يكون ابن القانون يكون العدل بوابة مكتبه، والداخلية خسرت.. فليس كل يوم تحظى الوزارة برجل له وميض مالك
ونحن المواطنون خسرنا قنطرة من قناطر الحب الاخوي ومشعلا من مشاعل الوطن في الحكومة..
ايها الغالي ايها الحبيب ايها الوطني الدكتور مالك هاني خريسات عرفتك فتى تؤمن حد العبادة بالهاشمية الرسالة وتضع الوطن ابدا فوق هامتك وتثابر على خدمته كل لحظة.
فارفع رأسك من تحت كل عذاب اللحظة ووجعها ارفع رأسك إلى أعلى قمة للرجال وقل نحن رسل الرسالة ولسنا دوارا للمناصب
مالك الحبيب ان حضورك وانت الغائب عن مكتبك فيه بهاء ووهج اشد من وهج بعض الحاضرين
شمسك ما طلعت وهذه بلدنا وما نبوق في عهدنا لها
رحم الله هاني فقد ابدع في صنع الرجال