اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نادية إبراهيم نوري : الدنيا لا تساوي جناح بعوضة

نادية إبراهيم نوري : الدنيا لا تساوي جناح بعوضة
أخبارنا :  

بقلم:نادية إبراهيم نوري


كانت لدي صديقة تحب ما تملك لدرجة أنها تحتفظ بكل شيء امتلكته في خزانتها، ولا ترمي شيئًا مهما كان صغيرًا أو قديمًا. كانت غرفتها أشبه بمتحف صغير، حتى هواتفها النقالة؛ فكلنا عندما نشتري هاتفًا جديدًا نتخلص من الهاتف القديم، بعضنا يبيعه وبعضنا يتبرع به لأبنائه، إلا هي، فكانت تحتفظ بها جميعًا.


وعندما نتساءل: إلى متى ستحتفظين بكل تلك الأشياء؟ كانت تقول: «سوف أدفنها معي، لن أفرّط بها حتى بعد وفاتي. أنا أحب ما أملك، وكل هدية وكل شيء اشتريته لدي معه ذكرى جميلة وغالية. لن أفرّط بذكرياتي، فهي جزء من حياتي».


لكنها عندما انفصلت عن زوجها، خرجت من بيتها ولم تلتفت إلى ماضيها معه، وتركت كل شيء، حتى متعلقاتها الشخصية.


وعندما سألناها باستغراب: كيف تركتِ متحفك الخاص وأشياءك الثمينة؟ قالت بكل بساطة: «حريتي أغلى وأهم!»


ولي صديقة أخرى تهوى شراء الحقائب. أغلبنا يقتني حقيبة أو اثنتين، ونتحرى اللون الأسود أو البني حتى يتناسبا مع جميع أزيائنا، أما هي، فلديها كل الألوان، ولم تترك لونًا إلا واقتنته. وكانت تقتني الحقائب ذات النقوش التاريخية، والحقائب المشغولة يدويًا، والحقائب البدوية، حتى حولت غرفتها إلى معرض للحقائب اليدوية.


لكنها عندما قررت الهجرة، لم تأخذ معها سوى حقيبة واحدة!


وعندما سألناها: ما مصير كل تلك الحقائب؟ أجابت بكل بساطة: «سوف أتصدق بها!»


هكذا هو الإنسان، وليد اللحظة، لكنه عندما يتخذ قرارًا ما، لا يلتفت إلى الماضي ولا إلى الخسائر، بل يفاضل بين المهم والأهم، وطبعا يختار الأهم.


تذكرت قصة أغنى رجل في الألفية الثانية، الذي كان يُلقب بـ«قارون العصر». كان ثريًا عربيًا، وتاجر سلاح ومليارديرًا، لكنه لم يكن يتصدق ولا يساعد الفقراء، بل كانت له مقولة شهيرة عندما يطلب منه شخص أي مساعدة مالية: «أنا لست وكيل آدم على ذريته!».


حتى تعرض لمشاكل قانونية وأزمات مالية، وانهارت مناجم الألماس التي كان يمتلكها، وخسر ثروته.


هكذا، من يصعد دون شكر، يسقط دون رحمة.


وصدق رسولنا الكريم ﷺ عندما قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء».


كل ما نراه من حولنا إنما هو دروس لنا، لندرك أن الدنيا زائلة، وأننا نعيش فيها أيامًا معدودة، فلا تستحق منا أن نتكالب عليها، ونعادي بعضنا البعض، أو نزاحم بعضنا ونتسابق مع بعضنا.


بل على العكس، خلقنا الله كي نعمر الأرض، وأمرنا بإفشاء السلام والمحبة والتعاون فيما بيننا. فرزقك ما كتبه الله لك لن يأخذه سواك مهما اجتهد، ونجاحك لن يكون على حساب آخر، بل لكل مجتهد نصيب.


وصدق سليمان القانوني، ذلك الخليفة العثماني الذي بلغت الدولة في عهده أوج قوتها وأقصى اتساعها الجغرافي، حيث شملت أجزاءً من أوروبا وآسيا وأفريقيا، لكن كانت وصيته أن تبقى يداه ممدودتين فارغتين خارج الكفن، كدرس لنا بأننا سنخرج من الدنيا فارغي الأيدي كما دخلناها.


وأخيرًا، عزيزي القارئ، ليكن دعاؤك في الدنيا:


﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾


مواضيع قد تهمك