حاتم النعيمات : في الرأي العام.
في النقاش العام الأردني، تتجدد معضلة قديمة مع تبدل العناوين: لماذا يعمد البعض إلى تبني روايات لا تتوافق مع المصلحة الأردنية، ويدافع عنها أحيانًا باندفاع؟ هذه ليست ظاهرة عابرة، فقد أصبحت بعض التيارات تمارس الترصد ونفي كل ما هو إيجابي، مع وجود اسناد جماهيري مستعد لتبرير الهجمات أحيانًا.
قبل سنوات، كنا نعتقد أن ثورة الاتصالات ستعيد تشكيل الوعي، وأن الإنترنت سيمنح الجمهور أدوات أفضل لفهم قضاياه، وأن تفسير شؤونه سينتقل تدريجيًا من الداخل الوطني إلى الخارج حسب المصلحة الوطنية أيضًا، لكن النتيجة جاءت معاكسة؛ اتسعت مساحة الرواية المستوردة، وانتصر الانطباع السريع والمعلومة المبتورة على البحث والتحقق وربط الأحداث بسياقها المنطقي الهادئ.
برأيي، تقف خلف هذه الهشاشة ثلاث فئات: الأولى تفضل الانطباع على المعرفة، وهذه أسهل الفرائس. والثانية تمارس السوداوية أكثر مما تمارس النقد، وهذه تمثل وقود الحملات، والثالثة تتعامل مع الأردن باعتباره ساحة مفتوحة لكل مشاريع الإقليم، وتستثني مشروعه الوطني ومصالحه المباشرة، وهذه هي الحلقة الأكثر نشاطًا في تبرير الروايات المعادية.
المثير للقلق أن التعاطف لم يعد يتوقف عند حدود المعقول؛ فدولة طامعة، أو تنظيم منكسر، أو مشروع إقليمي فاشل، أو شخصية متهورة، أو حتى فكرة طائشة، يمكن أن تجد من يدافع عنها هنا، وتكفي جولة واحدة على منصات التواصل لاكتشاف حجم هذه المفارقة.
في السياسة، النجاح لا يقاس بحجم الحملات، بل بقدرة الدول على حماية مصالحها والاستمرار. والأردن، بعد 105 أعوام من عمر دولته الحديثة، يقدم مثالًا واضحًا على ذلك، فبرغم الحروب والأزمات والضغوط، بقيت الدولة قائمة ومتماسكة، وهو إنجاز يفترض أن يكون حاسمًا للكثير من الجدل.
لكن المفارقة الأكبر تكمن في أن بعض المطالبين بالديمقراطية وسيادة القانون يتعاطفون في الوقت نفسه مع أنظمة وتنظيمات قامت على القمع، أو مع شخصيات تسببت بكوارث استراتيجية للمنطقة، ولا نتحدث عن حب الأردن أو كرهه، ولا عن محاكمة الناس أخلاقيًا، بل عن منطق بسيط: لا يمكن المطالبة بدولة حريات وقانون، ثم تبرير مناقضاتها حين تصدر عن الآخرين.
المطلوب ليس أن يتحول الأردني إلى مؤيد أعمى للدولة، فهذا ليس نقدًا ولا وعيًا، بل أن يصبح نقده نابعًا من مصلحة بلده، وأن يميز بين معارضة السياسات وبين منح الشرعية لمن يريد إضعاف الدولة أو استخدامها في معاركه.
ومع ذلك، لا مكان لليأس، فالأردن ليس طلقة في مسدس أحد، ولا ورقة مؤقتة في أي مشروع إقليمي، بل هو دولة لها تاريخ ومصالح وحدود وحسابات، وكلما تبدلت خرائط المنطقة، ازدادت الحاجة إلى وعي وطني لا يستورد مواقفه، ولا يسمح للضجيج أن يحدد مصيره. الإيمان بهذه الحقيقة ليس شعارًا؛ بل شرط للبقاء.