الأردن يوسع قاعدة التمويل الأخضر.. من استقطاب الأموال إلى صناعة النمو
عبد الرحمن الخوالدة
عمان- على مدار السنوات الخمسة الماضية (2021-2026)، نجح الأردن في ترسيخ مكانته كوجهة إستراتيجية لتدفقات التمويل الأخضر والمناخي، محققاً حجماً تراكمياً تجاوز 623 مليون دولار. ويعكس هذا الرقم تنامي الثقة الدولية باستقرار المملكة ومسار الإصلاحات الاقتصادية والتنموية التي تنفذها، كما يؤشر إلى تحول التمويل الأخضر من كونه أداة لدعم مشاريع بيئية محددة إلى أحد المحركات المتنامية لإعادة ترتيب الأولويات التنموية، وربط خطط النمو الاقتصادي بالاستدامة البيئية والمناخية.
وتكشف قراءة مسار هذه التدفقات عن تحول لافت في طبيعة التمويل الخارجي الموجه إلى الأردن؛ إذ انتقلت المملكة تدريجياً من مرحلة الاعتماد على المنح الفنية والمشاريع التجريبية محدودة النطاق إلى مرحلة الحزم التمويلية الهيكلية الكبرى، التي باتت ترتبط بصورة أوثق برؤية التحديث الاقتصادي وبرامج الإصلاح الشامل، بما يعزز قدرة التمويل الأخضر على الإسهام في تحقيق أهداف النمو والاستثمار ورفع التنافسية.
مسار متصاعد للتمويل الأخضر
وبالنظر إلى الأرقام السنوية المسجلة خلال الفترة (2021-2026)، التي رصدتها "الغد" في عدد من تقارير إفصاحات المؤسسات المحلية والدولية، يتضح التطور التدريجي الذي شهده ملف التمويل الأخضر والمناخي، سواء من حيث حجم التدفقات أو طبيعة الأدوات المستخدمة أو اتساع نطاق القطاعات المستفيدة.
ففي عام 2021، انطلقت الجهود من خلال مشاريع نوعية، كان أبرزها موافقة صندوق المناخ الأخضر على تمويل بقيمة 33.2 مليون دولار لتحسين كفاءة استخدام المياه ومواجهة آثار التغير المناخي في قطاع الزراعة بمناطق حوض البحر الميت.
وفي عام 2022، اتجه الأردن نحو توسيع برامج الائتمان ومأسسة الشراكات مع القطاع الخاص، من خلال إطلاق وتوسيع مراحل برنامج تمويل الاقتصاد الأخضر (GEFF)، بقيمة تجاوزت 48.5 مليون يورو، أي ما يقارب 52 مليون دولار، عبر البنوك المحلية.
أما عام 2023، فشهد دخول المملكة مرحلة جديدة من الابتكار المالي، مع إصدار أول سند أخضر بقيمة 50 مليون دولار من خلال القطاع المصرفي المحلي، بالتزامن مع وضع حجر الأساس لإستراتيجية التمويل الأخضر للبنك المركزي للفترة 2023-2028.
وشكل عام 2024 نقطة تحول رئيسة في مسار التمويل الأخضر والمناخي، مع قفزة نوعية تمثلت في حزمة تمويل تنموي سيادي ومؤسسي بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من البنك الدولي لدعم الإصلاحات المستجيبة للمناخ والطاقة المتجددة.
وفي عام 2025، اتجهت الجهود بصورة أكبر نحو توطين التمويل وتوسيع قاعدة المستفيدين، بما في ذلك إشراك قطاع التمويل الأصغر، بالتوازي مع تفعيل حزم برنامج الاقتصاد الأخضر ومخصصاته التنفيذية التي تجاوزت 40 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 44 مليون دولار.
وخلال العام الحالي، استمر الزخم في تدفقات التمويل، إذ خصص نحو 194.4 مليون دولار ضمن الحزم التمويلية الموجهة للنمو الاقتصادي والإصلاح، بالتزامن مع البدء بالتطبيق الفعلي للتصنيف الوطني الأخضر (Jordan Green Taxonomy)، الذي يستهدف تنظيم هذه التدفقات وتتبعها وتحديد الأنشطة والمشاريع التي يمكن تصنيفها ضمن الاقتصاد الأخضر بصورة أكثر دقة ووضوحاً.
بصمة واضحة في الاقتصاد
وقالت خبيرة الاقتصاد الأخضر والمدير التنفيذي لمؤسسة "Sustain MENA"، شذا الشريف، إن التمويل الأخضر والمناخي بدأ يترك "بصمة واضحة" في عدد من القطاعات الاقتصادية في الأردن، مشيرة إلى أن أثره لم يقتصر على المنح، وإنما امتد ليشمل الاستثمارات ومختلف الأدوات المالية التي أسهمت في تنفيذ مشاريع إستراتيجية.
وأوضحت الشريف أن التحول الذي شهده قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك، لافتة إلى أن إقرار قانون كفاءة الطاقة عام 2012 أسهم في جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات إلى مشاريع الطاقة المتجددة، حتى أصبحت مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة تشكل نحو 27 % من مزيج الكهرباء في المملكة.
وأكدت أن حصول الأردن على التمويل الأخضر من الجهات المانحة، ومن بينها صندوق المناخ الأخضر، يمثل نموذجاً على أهمية التمويل المناخي في رفع تنافسية المشاريع الوطنية، خصوصاً من خلال آليات التمويل المدمج التي تجمع بين استثمارات القطاع الخاص والتمويل المناخي المقدم من الجهات الدولية، إلى جانب مساهمة الحكومة.
وبينت الشريف أن الإطار السياسي للاقتصاد الأخضر موجود في الأردن منذ عام 2017، مع صدور الخطة الوطنية للنمو الأخضر، إلا أن التطور الأهم تمثل في إدماج البعد الأخضر ضمن محركات النمو الاقتصادي في رؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقت عام 2022.
وأوضحت أن رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف جذب استثمارات بقيمة 41 مليار دينار، محلية وأجنبية، وخلق مليون فرصة عمل، مشيرة إلى أن الدراسات الحكومية والدولية تظهر وجود فرص كبيرة أمام الاقتصاد الأخضر للمساهمة في تحقيق هذه المستهدفات، خصوصاً في قطاعات المياه والطاقة والنقل والزراعة والنفايات والسياحة.
بنية تشريعية متقدمة
وأشارت إلى أن قطاع الطاقة شهد تطورات تشريعية مهمة، من بينها قانون الكهرباء الجديد، إلى جانب قانون الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، مبينة أن هذه التشريعات تفتح المجال أمام استثمارات في مجالات الطاقة النظيفة، بما فيها تخزين الطاقة والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية، فضلاً عن الربط الكهربائي مع دول الجوار.
تعزيز الوعي بالفرص التمويلية يفتح المجال أمام تدفقات أكبر
وحول التحديات التي تحول دون زيادة تدفقات التمويل الأخضر إلى المملكة، لفتت الشريف إلى أن من أبرزها بطء تنفيذ التشريعات على أرض الواقع، إضافة إلى محدودية معرفة القطاع الخاص والجهات المستفيدة بالفرص والأدوات التمويلية المتاحة.
وبينت أن بعض الشركات قد لا تستفيد من الصناديق والبرامج التمويلية ليس بسبب عدم وجود التمويل، وإنما نتيجة عدم المعرفة بشروطه وأدواته وقيمته والقطاعات المؤهلة للحصول عليه.
وشددت الشريف على أهمية وجود وضوح أكبر، على المستويين الدولي والمحلي، بشأن ما يمكن إدراجه ضمن التمويل المناخي، خصوصاً في ظل ارتباط ذلك بالمساهمات المحددة وطنياً التي يقدمها الأردن ضمن التزاماته المناخية الدولية.
منظومة تمويل متكاملة تدعم النمو والتوسع
من جانبه، أكد الخبير في الاقتصاد المناخي، محمد عصفور، أن الأردن يمتلك أساساً مؤسسياً وتشريعياً مهماً للانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، إلا أن الجهود ما تزال بحاجة إلى مزيد من التنسيق ضمن منظومة متكاملة تضمن توجيه التمويل نحو الأنشطة الأكثر قدرة على توليد قيمة اقتصادية مستدامة.
واعتبر عصفور أن قطاعات الطاقة والزراعة والمياه والسياحة والنفايات والنقل، إلى جانب معالجة الفجوات التنظيمية والتمويلية، تعد من القطاعات الأكثر قدرة على تحويل التمويل الأخضر إلى استثمارات وفرص عمل، نظراً لارتباطها المباشر بخفض كلف الطاقة والمياه، وتحسين الإنتاجية، وتطوير أسواق وسلاسل قيمة جديدة.
وبين أن منظومة ريادة الأعمال الخضراء في الأردن تتطور، لكنها ما تزال مجزأة بحسب القطاعات ومراحل نمو الشركات والمحافظات، ما يحد من قدرتها على تحويل التمويل إلى قيمة اقتصادية مستدامة، ويزيد في بعض الحالات الاعتماد على المنح بدلاً من بناء نماذج أعمال قابلة للاستمرار والنمو.
وفي المقابل، أوضح عصفور أن التمويل الأخضر والمناخي الموجه إلى الأردن لم ينعكس بعد بالقدر الكافي على الاقتصاد الحقيقي، مشيراً إلى أن التحدي لم يعد في توفير التمويل، وإنما في تحويله إلى نشاط اقتصادي مستدام.
ولفت إلى أن جزءاً من التمويل يذهب إلى مشاريع بيئية ومؤسسية وبرامج مؤقتة، في حين أن المطلوب هو توجيهه بصورة أكبر نحو شركات قادرة على النمو، وتطوير المنتجات وسلاسل القيمة والأسواق، وخلق فرص العمل.
القيمة الحقيقية
للتمويل الأخضر
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي، الدكتور محمد الحدب، أن تمكن الاقتصاد الوطني من استقطاب التمويل الأخضر خلال السنوات الأخيرة يمثل مؤشراً إيجابياً على ثقة المؤسسات التمويلية بقدرة المملكة على تنفيذ مشاريع الاستدامة، إلا أن المعيار الاقتصادي الأهم لا يتمثل في حجم التمويل المستقطب بحد ذاته، وإنما في مقدار ما يتحول منه إلى استثمارات إنتاجية تخفض كلف الطاقة والمياه، وترفع الإنتاجية والصادرات، وتولد فرص عمل مستدامة.
وأوضح الحدب أن الأردن يمتلك تجربة عملية يمكن البناء عليها، خصوصاً في قطاع الطاقة المتجددة، حيث ارتفعت مساهمتها في توليد الكهرباء من نحو 0.5 % عام 2014 إلى قرابة 27 % بنهاية عام 2024، أي بأكثر من خمسين ضعفاً خلال نحو عقد، فيما تستهدف إستراتيجية قطاع الطاقة رفع هذه النسبة إلى 40 % بحلول عام 2035.
وأشار إلى أن هذه التجربة تثبت أن التمويل الأخضر، عندما يقترن بمشاريع قابلة للتنفيذ، يمكن أن يتحول من مفهوم بيئي إلى قطاع اقتصادي واستثماري حقيقي، قادر على خلق فرص جديدة للنمو والاستثمار.
وأشار الحدب إلى أن الأردن قطع كذلك شوطاً مهماً في بناء البنية التنظيمية للتمويل المستدام، بدءاً من إطلاق البنك المركزي إستراتيجية التمويل الأخضر 2023-2028، وصولاً إلى إصدار التصنيف الوطني الأخضر في عام 2026.
وأوضح أن التصنيف وضع تعريفاً موحداً للأنشطة والمشاريع التي يمكن اعتبارها خضراء، بما يقلل مخاطر ما يعرف بـ"الغسل الأخضر"، ويساعد البنوك والمستثمرين على توجيه التمويل نحو مشاريع ذات أثر بيئي واقتصادي قابل للقياس.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة
وأوضح الحدب أن الفجوة الرئيسية لم تعد تتمثل في غياب التمويل أو التشريعات بقدر ما تكمن في وجود عدد كافٍ من المشاريع الخضراء القابلة للتمويل مصرفياً.
وأشار إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تشكل نحو 99 % من الشركات في الأردن، إلا أن كثيراً منها يحتاج إلى تمويل طويل الأجل وضمانات ومساعدة فنية لإعداد دراسات الجدوى وقياس الوفر في الطاقة والانبعاثات، الأمر الذي يجعل تطوير أدوات تمويل تتناسب مع احتياجات هذه المنشآت أولوية اقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
توسيع الأثر للتمويل الدولي
وأضاف الحدب أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مفهوم "مضاعف التمويل الأخضر"، بحيث يستخدم التمويل الدولي والمنح والتمويل الميسر لتخفيض المخاطر وجذب أضعاف قيمتها من رؤوس الأموال الخاصة.
وأوضح أن التمويل الأخضر الدولي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مصدراً مباشراً للتمويل فقط، بل باعتباره أداة لتحفيز الاستثمار المصرفي والمؤسسي والخاص، من خلال تقليل المخاطر ورفع قابلية المشاريع للتمويل.
وأكد أن نجاح هذه المقاربة من شأنه أن يجعل الأثر الاقتصادي للتمويل الأخضر يتجاوز قيمته المباشرة بكثير، عبر تعبئة رؤوس أموال إضافية، وتحويل المشاريع البيئية والمناخية إلى أنشطة إنتاجية، وتعزيز قدرة الشركات الأردنية على النمو والتوسع، وخلق فرص عمل مستدامة.
المرحلة المقبلة.. تعظيم الأثر الاقتصادي للتمويل الأخضر
ومن شأن تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع المالي والقطاع الخاص، وتطوير المشاريع القابلة للتمويل، وتوسيع أدوات التمويل الميسر والمختلط، وتقديم الدعم الفني والضمانات، إلى جانب تفعيل التصنيف الوطني الأخضر، أن يشكل قاعدة عملية لانتقال الأردن من مرحلة استقطاب التمويل الأخضر إلى مرحلة توظيفه كرافعة للنمو الاقتصادي المستدام.
ــ الغد