د. هيفاء ابو غزالة : في زمن السرعة .. لا تزال الإنسانية تسافر لتواسي
كانت رحلة لم تستغرق سوى يوم واحد إلى أرض الكنانة.
ساعات قليلة قضيتها في القاهرة، لم تكن لاجتماع رسمي، ولا لمؤتمر دولي، ولا لمهمة عمل اعتدت عليها طوال سنوات حياتي المهنية، وإنما لواجب إنساني خالص؛ الوقوف إلى جانب زميلة وصديقة فقدت شريك حياتها.
عدت في اليوم نفسه، لكنني لم أعد بالفكرة نفسها التي سافرت بها.
عدت وأنا أفكر أن أجمل ما بقي في مجتمعاتنا العربية ليس المباني الشاهقة، ولا الطرق الحديثة، ولا التقنيات التي دخلت كل تفاصيل حياتنا، وإنما تلك العادة النبيلة التي تجعل الإنسان يشعر أن حزنه ليس وحيداً، وأن هناك من يقطع المسافات ليقول له، بالفعل قبل القول: نحن معك.
في عالم أصبح التواصل فيه يتم بضغطة زر، والرسائل تصل في ثوانٍ، ومكالمات الفيديو تختصر آلاف الكيلومترات، ما زال للحضور معنى لا تستطيع التكنولوجيا أن تصنعه.
فالعزاء ليس كلمات تُكتب، وإنما كتف يُسند، ويدٌ تُصافح، ونظرة صادقة تقول ما تعجز عنه اللغة.
ولعل أكثر ما يميز مجتمعاتنا العربية أننا لم نبن علاقاتنا على المصالح وحدها، بل على منظومة اجتماعية جعلت من الوقوف مع الآخرين قيمة أخلاقية قبل أن يكون واجباً اجتماعياً. ففي الأفراح، نفرح وكأن المناسبة تخصنا جميعاً، وفي الأتراح، نتقاسم الحزن حتى لا يثقل قلب صاحبه وحده.
هذه ليست مجرد عادات موروثة، بل شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي حافظ على تماسك مجتمعاتنا عبر عقود طويلة. وهي قيم لا تُدرّس في الجامعات، لكنها تُغرس في البيوت، وتنتقل من جيل إلى جيل، وتبني ما هو أهم من العلاقات الاجتماعية؛ إنها تبني الثقة، والانتماء، والشعور بأن الإنسان جزء من مجتمع لا يترك أبناءه في لحظات الانكسار.
واليوم، ونحن نعيش زمناً تتسارع فيه الحياة بصورة غير مسبوقة، وتزداد فيه العزلة رغم كثرة وسائل التواصل، تبدو الحاجة إلى استعادة هذه القيم أكبر من أي وقت مضى. فليس كل ما تقوله الرسائل يمكن أن يقوله الحضور، وليس كل ما تنقله الشاشات يمكن أن تنقله المصافحة، ولا كل تعبير رقمي يستطيع أن يخفف وجع إنسان فقد عزيزاً.
لقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل حياتنا، وأصبحت الخوارزميات تكتب الرسائل، وتلخص الكتب، وتجيب عن الأسئلة، وربما يأتي يوم تُرسل فيه برامج ذكية رسائل تعزية مصاغة بأجمل العبارات. لكن، مهما بلغت التقنية من تطور، فلن تستطيع أن تعبر الحدود لتجلس إلى جوار أم ثكلى، أو تصافح صديقاً مكلوماً، أو تمنح إنساناً شعوراً بأن هناك من ترك كل شيء وجاء فقط ليقول له: لست وحدك.
ولهذا، فإن الحفاظ على هذه القيم ليس تمسكاً بالماضي، بل استثمار في المستقبل. فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تمتلكه من تقنيات، بل بما تحتفظ به من إنسانيتها. والأمم التي تنجح في الجمع بين الحداثة والدفء الإنساني هي الأمم الأكثر قدرة على البقاء متماسكة مهما تغيرت الأزمنة.
لقد كانت رحلتي إلى مصر يوماً واحداً في حساب الزمن، لكنها كانت درساً عميقاً في معنى الوفاء. وأيقنت أن أجمل ما في أوطاننا ليس فقط تاريخها أو حضارتها، بل ذلك الخيط الإنساني الذي يربط الناس بعضهم ببعض، في الفرح كما في الحزن.
فقد نستطيع أن نصنع مدناً أكثر ذكاءً، وأن نبني مؤسسات أكثر تطوراً، وأن نبتكر تقنيات أكثر تقدماً، لكننا سنخسر الكثير إذا فقدنا القدرة على أن نكون حاضرين حين يحتاجنا إنسان.
لأن الحضور، في لحظات الألم، ليس مجاملة اجتماعية… بل هو أصدق تعريف للإنسانية.